زهير
05-10-2009, 04:41 مساء
الأسباب التي يستعان بها على حفظ القرآن وغيره من العلوم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الكريم، وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد: فكثيرا ما يشتكي التلاميذ خصوصا والناس على وجه العموم من صعوبة الحفظ وعدم قدرتهم عليه، لذا ارتأيت أن أقدّم لهم هذه الوسائل والأسباب التي تعينهم بإذن اله تعالى على ذلك، جمعتها من بعض كتب أهل العلم، ورتبتها على هذا النسق، فأسأل اله تعالى أن ينفعني وإيّاهم بها إنه وليّ ذلك والقادر عليه.
الأول: حسن النية:
ينبغي أن يقصد المسلم بالحفظ ابتغاء وجه الله تعالى والنصيحة للمسلمين في الإيضاح والتبيين، لأن ذلك مفتاح كل خير، وسبب التوفيق والتيسير والبركة في العلم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (إنما يحفظ الرجل على قدر نيته).
الثاني: الصدق في اللَّجإ إلى الله سبحانه والدعاء:
فإذا استعصى عليك شيء فالجأ إلى الهح تعالى بصدق وإخلاص ثمّ اسأله التوفيق والسداد فلن يرد خائبا بإذنه ومنّه وكرمه، قال تعالى: " قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ "(الفرقان:77).
الثالث: اجتناب ارتكاب المحرمات ومواقعة المحظورات:
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "إني لأحسب الرجل ينسى العلم بالخطيئة يعملها".
وقال بشر بن الحارث: إذا أردت أن تُلقَّنَ العلم فلا تعص.
وفي الأبيات المشهورة التي تنسب للشافعي:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي* فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقــال بأن حفظ العلم نور* ونور الله لا يؤتاه عـاصي.
الرابع: العمل بالعلم الذي حفظه:
قال سفيان الثوري: (العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل).
وقال جماعة من السلف، منهم الشعبي ووكيع: (كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به).
ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: ( واتقوا الله ويعلمكم الله ) (البقرة:282).
الخامس: اغتنام الأوقات المناسبة في اليوم للحفظ:
وهذا أمر يختلف فيه الأشخاص، باختلاف أحوالهم وظروفهم. غير أن الذي يذكره أهل التجربة، هو أن أفضل الأوقات للحفظ: الليل عموماً، والفجر، ويخصون من الليل آخره وهو وقت السحر، بشرط أن يكون المسلم قد نام من أول الليل، وأخذ حاجته من النوم.
قال إسماعيل بن أبي أويس:" إذا هممت أن تحفظ شيئاً فنم، ثم قم عند السحر، فأسرج وانظر فيه، فإنك لا تنساه بعدُ إن شاء الله ".
قال الخطيب البغدادي: " إنما اختاروا المطالعة بالليل لخلو القلب، فإن خلوه يُسرع إليه الحفظَ ".
السادس: اغتنام زمن الصبا والشباب:
وفي هذا المقام اشتهرت المقولة المعروفة:" التعليم في الصغر كالنقش في الحجر "، ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما: "حفظ الغلام الصغير كالنقش في الحجر".
فينبغي لولي الصبي أن يجتهد معه في تحفيظه القرآن، وسائر العلوم منذ صغره، وقد كان السلف يبكرون بأولادهم إلى مجالس الحديث، حتى قال عبد الله بن داود: "ينبغي للرجل أن يكره ولده على سماع الحديث".
السابع: اختيار الأماكن المناسبة للحفظ:
وصفة المكان المناسب: أن يكون مريحاً، لا يشق على النفس المكث به. وأن يكون هادئاً، بعيداً عن الأصوات العالية. وأن يكون خالياً من الملهيات وما يلفت الأنظار؛ فلا يجلس في حديقة، ولا في ممر الناس وأسواقهم، بل يختار مقصورة أو حجرة في منزله، يحفظ فيها.
الثامن: الجهر بقراءة ما يراد حفظه:
رأى والد الزبير بن بكار القرشي ابنه يحفظ سرا، فقال له:" إنما لك من حفظك هذا ما أدى بصرك إلى قلبك. فإذا أردت الحفظ، فانظر إليه، واجهر به؛ فإنه يكون لك ما أدى بصرك إلى قلبك، وما أدى سمعك إلى قلبك". ولذا قال علماء التربية وعلم النفس:" كلّما كثرت الحواس المشاركة في تلقي موضوع أو تعلمه، كان حفظه أسرع وأيسر ".
التاسع: إحكام الحفظ بكثرة تكريرة:
يقول ابن الجوزي: (الطريق إلى إحكام العلم كثرة الإعادة).
ويحكى أن فقيها أعاد الدرس في بيته مراراً كثيرة، فقالت له عجوز في بيته: قد – والله – حفظته أنا! فقال: أعيديه، فأعادته؛ فلما كان بعد أيام، قال: يا عجوز! أعيدي ذلك الدرس، فقالت: ما أحفظه، قال: إني أكرر عند الحفظ لئلا يصيبني ما أصابك.
العاشر: تعهد المحفوظ، بإعادة النظر فيه وتكريره، في أوقات مختلفة (المراجعة):
إذ النسيان جبلة في الإنسان. ولا يحافظ على ما في الصدر من العلم، إلا مراجعته من حين لآخر، وعدم الاتكال على الحفظ الأول، لاسيما في حفظ القرآن الكريم. فعن أبي موسى رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" تعاهدوا هذا القرآن، فو الذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عُقُلها " (متفق عليه). فعلى طالب العلم أن يجعل له جدولاً معيناً لمراجعة محفوظة.
الحادي عشر: المذاكــرة:
قال جماعة من السلف: " إحياء الحديث مذاكرته "، ونحن نقول:" إحياء العلم مذاكرته ".
والمقصود بالمذاكرة: المراجعة والمناقشة مع طلاب آخرين.
الثاني عشر: تناول ما يعين على الحفظ من المأكولات واجتناب تناول ما يضعف الذاكرة:
فينبغي للمسلم أن يستعمل ما جعله الله تعالى سبباً لجودة الذهن ويرجع في هذا إلى أهل الطب: فعن ابن جريج قال: قال الزهري:" عليك بالعسل فإنه جيد للحفظ ". وقال الزهري أيضاً:" من سره أن يحفظ الحديث فليأكل الزبيب ".
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله، وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.
كتبه: أبو أيّوب زهير ساجي/ أستاذ العلوم الإسلامية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الكريم، وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد: فكثيرا ما يشتكي التلاميذ خصوصا والناس على وجه العموم من صعوبة الحفظ وعدم قدرتهم عليه، لذا ارتأيت أن أقدّم لهم هذه الوسائل والأسباب التي تعينهم بإذن اله تعالى على ذلك، جمعتها من بعض كتب أهل العلم، ورتبتها على هذا النسق، فأسأل اله تعالى أن ينفعني وإيّاهم بها إنه وليّ ذلك والقادر عليه.
الأول: حسن النية:
ينبغي أن يقصد المسلم بالحفظ ابتغاء وجه الله تعالى والنصيحة للمسلمين في الإيضاح والتبيين، لأن ذلك مفتاح كل خير، وسبب التوفيق والتيسير والبركة في العلم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (إنما يحفظ الرجل على قدر نيته).
الثاني: الصدق في اللَّجإ إلى الله سبحانه والدعاء:
فإذا استعصى عليك شيء فالجأ إلى الهح تعالى بصدق وإخلاص ثمّ اسأله التوفيق والسداد فلن يرد خائبا بإذنه ومنّه وكرمه، قال تعالى: " قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ "(الفرقان:77).
الثالث: اجتناب ارتكاب المحرمات ومواقعة المحظورات:
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "إني لأحسب الرجل ينسى العلم بالخطيئة يعملها".
وقال بشر بن الحارث: إذا أردت أن تُلقَّنَ العلم فلا تعص.
وفي الأبيات المشهورة التي تنسب للشافعي:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي* فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقــال بأن حفظ العلم نور* ونور الله لا يؤتاه عـاصي.
الرابع: العمل بالعلم الذي حفظه:
قال سفيان الثوري: (العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل).
وقال جماعة من السلف، منهم الشعبي ووكيع: (كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به).
ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: ( واتقوا الله ويعلمكم الله ) (البقرة:282).
الخامس: اغتنام الأوقات المناسبة في اليوم للحفظ:
وهذا أمر يختلف فيه الأشخاص، باختلاف أحوالهم وظروفهم. غير أن الذي يذكره أهل التجربة، هو أن أفضل الأوقات للحفظ: الليل عموماً، والفجر، ويخصون من الليل آخره وهو وقت السحر، بشرط أن يكون المسلم قد نام من أول الليل، وأخذ حاجته من النوم.
قال إسماعيل بن أبي أويس:" إذا هممت أن تحفظ شيئاً فنم، ثم قم عند السحر، فأسرج وانظر فيه، فإنك لا تنساه بعدُ إن شاء الله ".
قال الخطيب البغدادي: " إنما اختاروا المطالعة بالليل لخلو القلب، فإن خلوه يُسرع إليه الحفظَ ".
السادس: اغتنام زمن الصبا والشباب:
وفي هذا المقام اشتهرت المقولة المعروفة:" التعليم في الصغر كالنقش في الحجر "، ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما: "حفظ الغلام الصغير كالنقش في الحجر".
فينبغي لولي الصبي أن يجتهد معه في تحفيظه القرآن، وسائر العلوم منذ صغره، وقد كان السلف يبكرون بأولادهم إلى مجالس الحديث، حتى قال عبد الله بن داود: "ينبغي للرجل أن يكره ولده على سماع الحديث".
السابع: اختيار الأماكن المناسبة للحفظ:
وصفة المكان المناسب: أن يكون مريحاً، لا يشق على النفس المكث به. وأن يكون هادئاً، بعيداً عن الأصوات العالية. وأن يكون خالياً من الملهيات وما يلفت الأنظار؛ فلا يجلس في حديقة، ولا في ممر الناس وأسواقهم، بل يختار مقصورة أو حجرة في منزله، يحفظ فيها.
الثامن: الجهر بقراءة ما يراد حفظه:
رأى والد الزبير بن بكار القرشي ابنه يحفظ سرا، فقال له:" إنما لك من حفظك هذا ما أدى بصرك إلى قلبك. فإذا أردت الحفظ، فانظر إليه، واجهر به؛ فإنه يكون لك ما أدى بصرك إلى قلبك، وما أدى سمعك إلى قلبك". ولذا قال علماء التربية وعلم النفس:" كلّما كثرت الحواس المشاركة في تلقي موضوع أو تعلمه، كان حفظه أسرع وأيسر ".
التاسع: إحكام الحفظ بكثرة تكريرة:
يقول ابن الجوزي: (الطريق إلى إحكام العلم كثرة الإعادة).
ويحكى أن فقيها أعاد الدرس في بيته مراراً كثيرة، فقالت له عجوز في بيته: قد – والله – حفظته أنا! فقال: أعيديه، فأعادته؛ فلما كان بعد أيام، قال: يا عجوز! أعيدي ذلك الدرس، فقالت: ما أحفظه، قال: إني أكرر عند الحفظ لئلا يصيبني ما أصابك.
العاشر: تعهد المحفوظ، بإعادة النظر فيه وتكريره، في أوقات مختلفة (المراجعة):
إذ النسيان جبلة في الإنسان. ولا يحافظ على ما في الصدر من العلم، إلا مراجعته من حين لآخر، وعدم الاتكال على الحفظ الأول، لاسيما في حفظ القرآن الكريم. فعن أبي موسى رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" تعاهدوا هذا القرآن، فو الذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عُقُلها " (متفق عليه). فعلى طالب العلم أن يجعل له جدولاً معيناً لمراجعة محفوظة.
الحادي عشر: المذاكــرة:
قال جماعة من السلف: " إحياء الحديث مذاكرته "، ونحن نقول:" إحياء العلم مذاكرته ".
والمقصود بالمذاكرة: المراجعة والمناقشة مع طلاب آخرين.
الثاني عشر: تناول ما يعين على الحفظ من المأكولات واجتناب تناول ما يضعف الذاكرة:
فينبغي للمسلم أن يستعمل ما جعله الله تعالى سبباً لجودة الذهن ويرجع في هذا إلى أهل الطب: فعن ابن جريج قال: قال الزهري:" عليك بالعسل فإنه جيد للحفظ ". وقال الزهري أيضاً:" من سره أن يحفظ الحديث فليأكل الزبيب ".
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله، وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.
كتبه: أبو أيّوب زهير ساجي/ أستاذ العلوم الإسلامية