المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كبار السن في الإسلام


فوزي
24-02-2010, 10:23 صباحاً
http://i33.tinypic.com/w89u9t.jpg



خطبة جمعة
كبار السن في الإسلام
إعداد وإلقاء الأستاذ فوزي غراب
إمام خطيب بمسجد الإخلاص


الخطبة الأولى


يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك .... أحمدك ربي حتى ترضى وأحمدك ربي إذا رضيت ..بيدك ناصية كل دابة وإليك مصير كل نسمة فسبحانك سبحانك لا راد لأمرك ولا معقب لحكمك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ...وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في سبيل ربه حق جهاده حتى أتاه اليقين ... اللهم ادخلنا مدخله واسقنا بيديه الشريفتين الطاهرتين النقيتين الوضاءتين شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبدا ...صلوا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ
أيها الإخوة المسلمون : إقتضت حكمة الله تعالى أن يخلق الإنسان من ضعف ثم يجعل من بعد الضعف قوة ، ثم يجعل من بعد القوة ضعفا وشيبة ... فكل صغير إن طال به العمر سيكبر وكل قوي مآله إلى الضعف {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} (54) سورة الروم
يحدثنا القرآن الكريم عن مناجاة شيخ كبير لربه عز وجل وهو زكريا عليه السلام : {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} (4) سورة مريم
ويصور الشاعر هذه المرحلة من العمر فيقول : وكنت أمشي على رجلين معتدلا فصرت أمشي على أخرى من الشجر
هؤلاء الكبار في سنهم هم كبار أيضا في أقدارهم، ومكانتهم في المجتمع بمثابة الرأس من الجسد ، فإن كان الشباب قوة فالشيخوخة عقل وحكمة ، وهم ذاكرة الأمة و حلقة الوصل بين ماضيها وحاضرها ومستقبلها ، لقد أمضوا حياة ملؤها الصعاب والمحن وكانت تضحياتهم كبيرة من أجل تربية أبنائهم والقيام على أسرهم وخدمة أوطانهم وأمتهم....فرعايتهم دين في أعناقنا بسبب ما قدموه من أجلنا طوال حياتهم ... فهذه الأجيال الناشئة هم من أنجبها ووجهها وهذه الإنجازات المادية والمعنوية هم من صنعها ... بل هذا الإستقلال الذي ننعم في ظله فهم من ضحى من أجله ، فواجبنا أن نعرف لهم الجميل بأن نضمن لهم شيخوخة كريمة وهادئة
وقد حظي هؤلاء الكبار بمكانة راقية في الإسلام ، أمر ربنا عز وجل بتوقيرهم واحترامهم والإحسان إليهم ، فكانت الوصية بهم في كل الرسالات السابقة ثم في الرسالة الخاتمة {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً } (83) سورة البقرة
كما ضرب لنا القرآن الكريم مثالا للبر بالكبار والشيوخ في نموذج ابنتي الرجل الصالح {وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} (23) سورة القصص
وأوصى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهم خيرا فقال : ( إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم ) أبو داود ،وقال أيضا ( إذا أتاكم كبير قوم فأكرموه ) .
روى الإمام أحمد في مسنده أن سيدنا أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ جاء بأبيه يوم فتح مكة إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحمله على عاتقه لكبر سنه وضعف قوته فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه )
و قد تبرأ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ممن يسيء إلى كبار السن فقال ( ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا ) الترمذي وأحمد ،
وكبار السن هم الأخيار في المجتمع ، فالخير معهم حيثما كانوا ففي الحديث ( خياركم أطولكم أعمارا وأحسنكم إسلاما )
وكان الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ يتسابقون في خدمة الشيوخ الكبار ، وكان السباق على أشده بين عظيمي الأمة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما في خدمة العجائز والشيوخ بنفسيهما .
ومن سماحة الإسلام أنه راعى حق كبار السن في التخفيف من التكاليف ورفع عنهم الحرج وجعل لهم تشريعات خاصة بهم قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ( إذا صلى أحدكم للناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء ) ، كما أباح الإسلام لهؤلاء الكبار الفطر في رمضان ورخص لهم أن يصلوا على الهيئة التي يقدرون عليها
ويحظى هؤلاء المسنون في الإسلام بهذه الرعاية الخاصة والمتميزة حتى وإن كانوا من غير المسلمين ، فكان من سيرة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم إذا بعثوا سرية أو كتيبة حربية خصوها بتعليمات متميزة من بينها ( لا تقتلوا شيخا ولا صبيا ولا امرأة )
وهذا عمر بن الخطاب الفاروق ـ رضي الله عنه ـ يجزل العطاء لرجل يهودي مسن حينما وجده يسأل الناس فقال ( أخذنا منهم الجزية صغارا ونضيعهم كبارا !) فأمر له ولعياله بنفقة من بيت مال المسلمين
روى البخاري عن أبي سعيد بن سمرة بن جندب ـ رضي الله عنه قال : كنت على عهد رسول اله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غلاما فكنت أحفظ عنه فما يمنعني من القول إلا ههنا من هم أسن مني ) فكان يستحي من الإجابة في حضرة الكبار إجلالا توقيرا لهم
هذه إشارات ضئيلة من عناية الإسلام بالمسنين وهي عناية معرفية وسلوكية لا نظير لها في أي أمة من الأمم الأخرى أو أي تشريع من التشريعات .
( إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا)
بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم وصلي اللهم وسلم على سيدنا محمد ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


الخطبة الثانية


الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أيها الإخوة المسلمون : إن من أكبر فضائل الإنسانية هي الإحسان إلى كبار السن ومن أكبر جرائمها هي إساءة معاملتهم ، والأمة التي تهين كبارها إنما تهين نفسها وتتنكر لأصلها.
... فليس من الوفاء لكبارنا أن نتركهم فريسة الضعف والعجز والمرض والحاجة والفقر ... لنجعل ما تبقى من أعمارهم أحلى وأجمل مراحل حياتهم ... لنحقق لهم شيخوخة تستعذب الحياة الطيبة لا شيخوخة تقف على أعتلب الموت وتنتظر الفناء.
لابد للمجتمع كله بأفراده ومجموعاته ومؤسساته ودولته أن ينتظموا جميعا لإعادة الحقوق إلى أصحابها بما يضمن لشيوخنا احتياجاتهم النفسية والاجتماعية والاقتصادية والصحية والترويحية ، وتمكينهم من فرص المشاركة في المجتمع بقدر طاقتهم....لنشعرهم بأهميتهم ومدى حاجتنا إليهم وأنهم الأصل ولا يمكن لنا أبدا ان نستغني عن خدماتهم وخبراتهم وحكمتهم.
ومن الخطوات العملية في هذا الشأن ، إنشاء جمعيات تهتم بأمور الكبار وتلبي حاجاتهم المتنوعة ، وإنشاء نواد خاصة بهم يقضون فيها أوقاتهم ويرفهون فيها عن أنفسهم بدلا من الجلوس في المقاهي والأرصفة وافتراش الأتربة في هيئات تحط من شرفهم وسمو مقامهم.
ومن واجب المجتمع نحوهم الارتقاء بنظام التقاعد في مفهومه وخدماته ، فيكون مستواهم المعيشي بعد التقاعد خيرا منه أثناء الخدمة ..فيقبلون على التقاعد في فرح وسرور لأنهم ينتظرون الجزاء بعد العطاء ، وليس بعد الخدمة إلا الوفاء... كما ينبغي على المجتمع أن يقدم لهم جميع التسهيلات في الشارع والإدارات وسائر المؤسسات فيحظون بالأولوية في الحصول على الخدمات... أوتخصص لهم أجنحة خاصة في المصالح المختلفة ..فمن العيب والعار أن يصطف الكبار مع أبنائهم الصغار في طوابير طويلة، أو أن يقف الشيوخ ويجلس الشباب في الحافلات وفي غيرها.
وينبغي تذكير الكبار أنه كما لهم حقوق فعليهم واجبات نحو أنفسهم ومجتمعهم ...فليست الشيخوخة دائما قعودا وكسل بل هي في كثير من الأحيان قوة وعطاء ،وهذه الشيخوخة القوية المعطاءة يعد لها منذ الصغر بالحفاظ على الصحة وتجنب أسباب الضعف والعلل كالدخان والخمر والمخدرات وسائر الفواحش مصداقا لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (خذ من شبابك لهرمك ومن صحتك لمرضك.)
وهذه الشيخوخة جمالها الوقار والسكينة والزهد والإقبال على الخيرات وترك المنكرات، ويدنسها المزاحمة في الدنيا وحب المال والافتتان بالشهوات ومقارفة الفواحش والمنكرات وفي الحديث : (لا يدخل الجنة شيخ زان، ولا مسكين مستكبر، ولا منان بعمله على الله) الطبراني.
وليعلم الشباب أنهم حينما يكرمون الكبار فهم في الحقيقة يكرمون انفسهم حينما يكرمهم غيرهم وهم كبار، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال (( ما أكرم شاب شيخا لِسنِّه إِلا قيَّضَ اللهُ لهُ مَن يُكرمهُ عندَ سِنِّه )) . الترمذي
الدعاء


http://sor.w2hm.com/files/image/t/w1.gif