فوزي
22-02-2010, 06:01 مساء
http://img81.imageshack.us/img81/9890/83174626wh9.gif
خطبة جمعة : ذوو الإعاقات ما لهم وما عليهم
إعداد وإلقاء فوزي غراب
إمام خطيب بمسجد الإخلاص قسنطينة
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين ، يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ، أحمدك ربي حتى ترضى وأحمدك ربي إدا رضيت .....
وأشهد ألا إله إلا اله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، لا تدركه الأبصار وهو يدرك يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير.
وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وأسوتنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في سبيل ربه حق جهاته حتى أتاه اليقين اللهم أدخلنا مدخله واسقنا بيديه الشريفتين الطاهرتين الوضاءتين شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبدا آمين .
أما بعد أيها الإخوة المسلمون
إن الله تعالى خلق الخلق وميز بينهم في أجسادهم وألوانهم وقدراتهم و في صورهم وأشكالهم ، و ابتلي بعضهم بالحرمان من بعض النعم الجسمانية التي أنعم بها على آخرين فأصبحوا بذلك معاقين. قال تعالى : {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} (2) سورة الإنسان وقال عز وجل ( {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (35) سورة الأنبياء
ومن حق هؤلاء علينا أن نذكرهم ونبين وضعهم في المجتمع ونبرز مدى اهتمام الإسلام بحالهم ، فعدد هؤلا ء كبير جدا ، وفي بعض الدول العربية يتجاوز المعاقون عشر السكان ، وعدد العميان في الدول النامية و التي ينتمي إليها العالم الإسلامي يتجاوز الخمسين مليون أعمى ... فالإهتمام بهذا الموضوع الحيوي هو جزء من الأخلاقيات الإسلامية والإنسانية والحضارية.
وقد حفظ الإسلام لهؤلاء حقوقهم وأوصى بهم خيرا وجعل خدمتهم قربة يتقرب بها المسلم إلى ربه ففي الحديث ( وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها وترفع له عليها متاعه صدقة ) البخاري ومسلم كما حث الإسلام هؤلاء على استعادة الثقة في النفس وادراك دورهم المهم في المجتمع وعدم الإستسلام لليأس والشعور بالإحباط واعتزال الناس.
وقد وجدت نماذج من هؤلاء في عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منهم الصحابي الجليل عبد الله بن أم مكتوم فقد كان أعمى ، حدثته نفسه يوما أنه دون المبصرين في القدرات ثم في التكليف ، فجاء يطلب الرخصة في ترك صلاة الجماعة وقدم أعذارا كثيرة ، أنه لا يبصر ولا يجد من يقوده والمسجد بعيد والطريق غير معبد وبالطرق هوام وسباع ... فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( أتسمع النداء قال نعم قال إذن فأجب ) ، أراد النبي ـ صلى الله عليه وسلم من خلال هذا الموقف أن ينتزع من صدره الشعور بالدون و بالعجز وعدم التساوي مع الآخرين في القدرات ... فكيف كانت نتيجة المنهج النبوي في التعامل مع مثل هذهالمواقف ، كانت النتيجة أن عبد الله بن إم مكتوم أصبح يؤذن لصلاة الفجر ، فعن عائشة رضي الله عنها أن بلالا كان يؤذن بليل فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر )
إن الآذان بالناس حتى يمسكوا مسألة في غاية الأهمية تتعلق بصحة الصلاة والصيام أو بطلانهما ، و ربما كان الأولى أن يترك الأذان الأخير لبلال لأنه يبصر الفجر ولكن مقصد الإسلام في إعطاء الأهمية للأعمى وإرجاع الثقة في نفسه بأنه يستطيع أن يقدم الكثير من الأشياء للمجتمع.
وتغيرابن أم مكتوم من رجل يطلب العذر للتخلف عن الصلاة والقعود في البيت إلى رجل ينادي للصلاة بل ويخلف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في بعض مهامه ، فقد خلف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المدينة عدة مرات .
وتنامى الشعور بالأهمية وقدرة العطاء في نفس ابن أم مكتوم حتى استطاع أن يكون شهيد القادسية وهو يحمل لواء الجهاد في هذه المعركة.
وحينما أعرض النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ابن أم مكتوم الأعمى واشتغل بدعوة كبار القوم وأشراف قريش عاتبه الله عز وجل لإعراضه عن عن هذا الرجل الأعمى فأنزل في شأنه سورة من القرآن ( عبس وتولى أن جاءه الأعمى )
هكذا يرد القرآن الكريم الاعتبار لهؤلاء ويفتح الطريق أمامهم ويرفعهم امام كبار القوم وأشرافهم.
وفي تراثنا الإسلامي الكثير من هؤلاء المعاقين الذين نبغوا وبزغوا وفاقوا الأصحاء في علومهم ومكانتهم، ومن هؤلاء الفقيه التابعي الشهير عطاء بن ابي رباح فقيه مكة ، وكان ينادي المنادي لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح.
لما جاء عبد الملك بن مروان للحج أيام الخلافة وكان جالسا ومعه أشراف الناس ثم جاء عطاء بن أبي رباح من بعيد فعندما لمحه قام من سريره واستقبله وأجلسه بجواره ثم جلس بين يديه وقال حاجتك يا أبا محمد فقال له : اتق الله في حرم الله وفي رسول الله وفي المسلمين ...فقال أفعل ، ثم قال سألت لغيرك فما حاجتك ؟ قال ليس لي إلى مخلوق حاجة ، ورقي عطاء إلى هذا المكان مع أنه كان أسودا أفطسا أعرجا أشلا.
والصحابي الجليل عمرو بن الجموح كان أعرجا وكان له أربعة أبناء يشهدون المعارك مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم وفي غزوة أحد قال له أبناؤه يا أبت إن الله أعفاك وقال ( ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولا على المريض حرج ) أي في القتال ، فانت اجلس في البيت ونحن نكفيك ، فقال لهم لا والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة ، واشتكاهم للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال لهم دعوه ، رجل أراد الشهادة في سبيل الله ، وفعلا كتب الله له الشهادة ، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره منهم عمرو بن الجموح.
بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم وصلي اللهم وسلم على نبيك الكريم
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أيها الإخوة المسلمون ، إن أول خطوة في تغيير أوضاع إخواننا المعاقين تبدأ من أنفسهم ، بأن يستعيدوا ثقتهم في أنفسهم ويؤمنوا بقدراتهم...
فمن مظاهر عدل الله تعالى أنه إذا حرم الإنسان شيئا عوضه بأشياء أخر ، لذا نجد أن هؤلاء المعاقين الفاقدين لبعض القدرات الجسمية قد أوتوا قوى أخرى وقدرات خاصة لم يؤتها الإنسان السليم ، فليفتشوا في انفسهم عن هذه القوى والقدرات وليجسدوها في واقعهم.
فهذا يعقوب عليه السلام عمي وابيضت عيناه من الحزن ولكنه علم أشياء لم يشعر بها من حوله ( {وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} (94) سورة يوسف ، وعلى هؤلاء أن ينظروا إلى إعاقتهم على أنها ابتلاء من الله تعالى ليعوضهم خيرا منها في الدنيا والآخرة، وأن هذه الأعضاء التي فقدوها إما أن تسبقهم إلى الجنة بصبرهم ورضاهم وإما أن تسبقهم إلى الناربكفرهم وسخطهم على قضاء ربهم .
الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عمي في آخر حياته ، عيره بعض الناس بعميه فقال: إن يسلب الله من عيني نورها ففي لساني وقلبي منهما نور
عقلي ذكي وقلبي غير ذي دخل وفي فمي صارم كالسيف مشهور
فهو يقول : سلبت نور العينين ولكن لم أسلب نور القلب ، عندي قلب وعندي عقل وعندي لسان كالسيف.
وعلى المجتمع أفرادا وجماعات أن يعتنوا بهؤلاء فهم منا ونحن منهم ،فمنهم الأبناء والأمهات ومنهم الإخوة والأخوات وكل واحد منا معرض لحالهم، فبين رمشة عين وانتباهتهايغير الله من حال إلى حال، فالواجب أن نعامل هؤلاء بما يشجعهم ويقويهم يبعث الثقة في نفوسهم ، لا أن نحتقرهم ونهمشهم ، و خدمتنا لهم لا ينبغي أن تكون من باب الشفقة عليهم بل من باب آداء واجب الأخوة في الإسلام.
بعض الناس في عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يتحرج أن يأكل مع هؤلاء ويقول لعل الأعمى لا يرى طيبات الطعام ، فربما أنا آكل شيئا لا يأكله هو ، فكانوا يتحرجون من ذلك ، والأعرج كذلك كان لا يستطيع أن يجلس الجلسة المريحة ليأكل وكذلك المريض ، فنزل قوله تعالى {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ ...} (61) سورة النــور ، فالله تعالى لا يريد أن ينعزل هؤلاء عن الناس ، بل يريد أن يأكل معهم الناس ويأكلون مع الناس.
هؤلاء يحتاجون إلى الدعم المعنوي كما يحتاجون إلى الدعم المادي لإصلاح أمورهم ، وهناك بعض الوسائل الخاصة بهم وينبغي أن نوفرها لهم ومن ذلك بعض الآلات والكراسي المتحركة والأعضاء المصنعة والسماعات والنظارات وغيرها من المستلزمات.
في المجتمعات الغربية هناك تقدير كبير لهذه الفئة من الناس وقد وفرت لهم جميع الوسائل وفي جميع الأماكن ويلقون مختلف الإعانات والتسهيلات ، فقلما تجد طريقا أو رصيفا أو ممرا لا يجتازه الكرسي المتحرك .
ونحن المسلمين أولى أن نرحم هؤلاء من الغربيين ، فإن كانوا يعتنون بهم لاعتبارات انسانية فنحن نخدمهم لاعتبارات ربانية ثم انسانية ، ورسولنا يحفزنا إلى ذلك فيقول : ( وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم) فالنصر والرزق يأتي من الله ببركة هؤلاء الضعفاء.
ومن أهم واجبات الأمة في هذا الشأن أن تعمل على التقليل من عدد المعاقين ما استطاعت ، فهناك أشياء قدرية لا نستطيع دفعها ، وهناك أشياء هي من صنع الإنسان {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} (182) سورة آل عمران ينبغي العمل على تقليلها بوازع القرآن ثم بوازع السلطان.
والوقاية خير من العلاج
الدعاء
http://www.samysoft.net/forumim/nehaya/7e9bf58f21ro1.gif
خطبة جمعة : ذوو الإعاقات ما لهم وما عليهم
إعداد وإلقاء فوزي غراب
إمام خطيب بمسجد الإخلاص قسنطينة
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين ، يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ، أحمدك ربي حتى ترضى وأحمدك ربي إدا رضيت .....
وأشهد ألا إله إلا اله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، لا تدركه الأبصار وهو يدرك يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير.
وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وأسوتنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في سبيل ربه حق جهاته حتى أتاه اليقين اللهم أدخلنا مدخله واسقنا بيديه الشريفتين الطاهرتين الوضاءتين شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبدا آمين .
أما بعد أيها الإخوة المسلمون
إن الله تعالى خلق الخلق وميز بينهم في أجسادهم وألوانهم وقدراتهم و في صورهم وأشكالهم ، و ابتلي بعضهم بالحرمان من بعض النعم الجسمانية التي أنعم بها على آخرين فأصبحوا بذلك معاقين. قال تعالى : {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} (2) سورة الإنسان وقال عز وجل ( {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (35) سورة الأنبياء
ومن حق هؤلاء علينا أن نذكرهم ونبين وضعهم في المجتمع ونبرز مدى اهتمام الإسلام بحالهم ، فعدد هؤلا ء كبير جدا ، وفي بعض الدول العربية يتجاوز المعاقون عشر السكان ، وعدد العميان في الدول النامية و التي ينتمي إليها العالم الإسلامي يتجاوز الخمسين مليون أعمى ... فالإهتمام بهذا الموضوع الحيوي هو جزء من الأخلاقيات الإسلامية والإنسانية والحضارية.
وقد حفظ الإسلام لهؤلاء حقوقهم وأوصى بهم خيرا وجعل خدمتهم قربة يتقرب بها المسلم إلى ربه ففي الحديث ( وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها وترفع له عليها متاعه صدقة ) البخاري ومسلم كما حث الإسلام هؤلاء على استعادة الثقة في النفس وادراك دورهم المهم في المجتمع وعدم الإستسلام لليأس والشعور بالإحباط واعتزال الناس.
وقد وجدت نماذج من هؤلاء في عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منهم الصحابي الجليل عبد الله بن أم مكتوم فقد كان أعمى ، حدثته نفسه يوما أنه دون المبصرين في القدرات ثم في التكليف ، فجاء يطلب الرخصة في ترك صلاة الجماعة وقدم أعذارا كثيرة ، أنه لا يبصر ولا يجد من يقوده والمسجد بعيد والطريق غير معبد وبالطرق هوام وسباع ... فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( أتسمع النداء قال نعم قال إذن فأجب ) ، أراد النبي ـ صلى الله عليه وسلم من خلال هذا الموقف أن ينتزع من صدره الشعور بالدون و بالعجز وعدم التساوي مع الآخرين في القدرات ... فكيف كانت نتيجة المنهج النبوي في التعامل مع مثل هذهالمواقف ، كانت النتيجة أن عبد الله بن إم مكتوم أصبح يؤذن لصلاة الفجر ، فعن عائشة رضي الله عنها أن بلالا كان يؤذن بليل فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر )
إن الآذان بالناس حتى يمسكوا مسألة في غاية الأهمية تتعلق بصحة الصلاة والصيام أو بطلانهما ، و ربما كان الأولى أن يترك الأذان الأخير لبلال لأنه يبصر الفجر ولكن مقصد الإسلام في إعطاء الأهمية للأعمى وإرجاع الثقة في نفسه بأنه يستطيع أن يقدم الكثير من الأشياء للمجتمع.
وتغيرابن أم مكتوم من رجل يطلب العذر للتخلف عن الصلاة والقعود في البيت إلى رجل ينادي للصلاة بل ويخلف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في بعض مهامه ، فقد خلف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المدينة عدة مرات .
وتنامى الشعور بالأهمية وقدرة العطاء في نفس ابن أم مكتوم حتى استطاع أن يكون شهيد القادسية وهو يحمل لواء الجهاد في هذه المعركة.
وحينما أعرض النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ابن أم مكتوم الأعمى واشتغل بدعوة كبار القوم وأشراف قريش عاتبه الله عز وجل لإعراضه عن عن هذا الرجل الأعمى فأنزل في شأنه سورة من القرآن ( عبس وتولى أن جاءه الأعمى )
هكذا يرد القرآن الكريم الاعتبار لهؤلاء ويفتح الطريق أمامهم ويرفعهم امام كبار القوم وأشرافهم.
وفي تراثنا الإسلامي الكثير من هؤلاء المعاقين الذين نبغوا وبزغوا وفاقوا الأصحاء في علومهم ومكانتهم، ومن هؤلاء الفقيه التابعي الشهير عطاء بن ابي رباح فقيه مكة ، وكان ينادي المنادي لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح.
لما جاء عبد الملك بن مروان للحج أيام الخلافة وكان جالسا ومعه أشراف الناس ثم جاء عطاء بن أبي رباح من بعيد فعندما لمحه قام من سريره واستقبله وأجلسه بجواره ثم جلس بين يديه وقال حاجتك يا أبا محمد فقال له : اتق الله في حرم الله وفي رسول الله وفي المسلمين ...فقال أفعل ، ثم قال سألت لغيرك فما حاجتك ؟ قال ليس لي إلى مخلوق حاجة ، ورقي عطاء إلى هذا المكان مع أنه كان أسودا أفطسا أعرجا أشلا.
والصحابي الجليل عمرو بن الجموح كان أعرجا وكان له أربعة أبناء يشهدون المعارك مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم وفي غزوة أحد قال له أبناؤه يا أبت إن الله أعفاك وقال ( ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولا على المريض حرج ) أي في القتال ، فانت اجلس في البيت ونحن نكفيك ، فقال لهم لا والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة ، واشتكاهم للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال لهم دعوه ، رجل أراد الشهادة في سبيل الله ، وفعلا كتب الله له الشهادة ، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره منهم عمرو بن الجموح.
بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم وصلي اللهم وسلم على نبيك الكريم
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أيها الإخوة المسلمون ، إن أول خطوة في تغيير أوضاع إخواننا المعاقين تبدأ من أنفسهم ، بأن يستعيدوا ثقتهم في أنفسهم ويؤمنوا بقدراتهم...
فمن مظاهر عدل الله تعالى أنه إذا حرم الإنسان شيئا عوضه بأشياء أخر ، لذا نجد أن هؤلاء المعاقين الفاقدين لبعض القدرات الجسمية قد أوتوا قوى أخرى وقدرات خاصة لم يؤتها الإنسان السليم ، فليفتشوا في انفسهم عن هذه القوى والقدرات وليجسدوها في واقعهم.
فهذا يعقوب عليه السلام عمي وابيضت عيناه من الحزن ولكنه علم أشياء لم يشعر بها من حوله ( {وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} (94) سورة يوسف ، وعلى هؤلاء أن ينظروا إلى إعاقتهم على أنها ابتلاء من الله تعالى ليعوضهم خيرا منها في الدنيا والآخرة، وأن هذه الأعضاء التي فقدوها إما أن تسبقهم إلى الجنة بصبرهم ورضاهم وإما أن تسبقهم إلى الناربكفرهم وسخطهم على قضاء ربهم .
الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عمي في آخر حياته ، عيره بعض الناس بعميه فقال: إن يسلب الله من عيني نورها ففي لساني وقلبي منهما نور
عقلي ذكي وقلبي غير ذي دخل وفي فمي صارم كالسيف مشهور
فهو يقول : سلبت نور العينين ولكن لم أسلب نور القلب ، عندي قلب وعندي عقل وعندي لسان كالسيف.
وعلى المجتمع أفرادا وجماعات أن يعتنوا بهؤلاء فهم منا ونحن منهم ،فمنهم الأبناء والأمهات ومنهم الإخوة والأخوات وكل واحد منا معرض لحالهم، فبين رمشة عين وانتباهتهايغير الله من حال إلى حال، فالواجب أن نعامل هؤلاء بما يشجعهم ويقويهم يبعث الثقة في نفوسهم ، لا أن نحتقرهم ونهمشهم ، و خدمتنا لهم لا ينبغي أن تكون من باب الشفقة عليهم بل من باب آداء واجب الأخوة في الإسلام.
بعض الناس في عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يتحرج أن يأكل مع هؤلاء ويقول لعل الأعمى لا يرى طيبات الطعام ، فربما أنا آكل شيئا لا يأكله هو ، فكانوا يتحرجون من ذلك ، والأعرج كذلك كان لا يستطيع أن يجلس الجلسة المريحة ليأكل وكذلك المريض ، فنزل قوله تعالى {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ ...} (61) سورة النــور ، فالله تعالى لا يريد أن ينعزل هؤلاء عن الناس ، بل يريد أن يأكل معهم الناس ويأكلون مع الناس.
هؤلاء يحتاجون إلى الدعم المعنوي كما يحتاجون إلى الدعم المادي لإصلاح أمورهم ، وهناك بعض الوسائل الخاصة بهم وينبغي أن نوفرها لهم ومن ذلك بعض الآلات والكراسي المتحركة والأعضاء المصنعة والسماعات والنظارات وغيرها من المستلزمات.
في المجتمعات الغربية هناك تقدير كبير لهذه الفئة من الناس وقد وفرت لهم جميع الوسائل وفي جميع الأماكن ويلقون مختلف الإعانات والتسهيلات ، فقلما تجد طريقا أو رصيفا أو ممرا لا يجتازه الكرسي المتحرك .
ونحن المسلمين أولى أن نرحم هؤلاء من الغربيين ، فإن كانوا يعتنون بهم لاعتبارات انسانية فنحن نخدمهم لاعتبارات ربانية ثم انسانية ، ورسولنا يحفزنا إلى ذلك فيقول : ( وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم) فالنصر والرزق يأتي من الله ببركة هؤلاء الضعفاء.
ومن أهم واجبات الأمة في هذا الشأن أن تعمل على التقليل من عدد المعاقين ما استطاعت ، فهناك أشياء قدرية لا نستطيع دفعها ، وهناك أشياء هي من صنع الإنسان {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} (182) سورة آل عمران ينبغي العمل على تقليلها بوازع القرآن ثم بوازع السلطان.
والوقاية خير من العلاج
الدعاء
http://www.samysoft.net/forumim/nehaya/7e9bf58f21ro1.gif