فوزي
22-02-2010, 03:38 مساء
http://img26.imageshack.us/img26/528/477bismellahtt1dp1qm3nm.gif
خطبة جمعة بعنوان التربية الإسلامية
إعداد وإلقاء الأستاذ فوزي غراب
إمام خطيب بمسجد الإخلاص
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .. يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك .. أحمدك ربي حتى ترضى وأحمدك ربي إذا رضيت بيدك ناصية كل دابة وإليك مصير كل نسمة فسبحانك سبحانك لا راد لأمرك ولا معقب لحكمك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير .
سبحانك لا افتتاح لوجودك ولا نهاية لبقائك .. مرئي بالقلوب لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في سبيل ربه حق جهاده حتى أتاه اليقين .. تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك اللهم أدخلنا مدخله واسقنا بيديه الشريفتين الكريمتين الوضاءتين شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبدا ، صلي اللهم عليه وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد أيها الإخوة المسلمون
إن عقلاء الإنسانية مجمعون على محبة الأخلاق الإنسانية الرفيعة كالصدق والأمانة والنصح والإخلاص وهم في الوقت نفسه مجمعون أيضا على بغض الأخلاق السيئة السافلة كالكذب والغش والفحش والخيانة وكل مظاهر الفساد والإنحراف.
ومهما حاول هؤلاء العقلاء تحقيق الصلاح لمجتمعاتهم فإن السبيل الوحيد لنيل محاسن الأخلاق وذرء مفاسدها هي التربية الإسلامية الفاضلة المجسدة لمنهج الله تعالى الأكمل والأتم في إيجاد الفرد الصالح والمجتمع الصالح والأمة الصالحة ، إنه منهج تربوي فريد يستوعب الإنسان كله في روحه وعقله وجسده ويهيمن على حياته كلها في كل أزمنتها ومظاهرها ومجالاتها
{ِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا } (3) سورة المائدة
{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (153) سورة الأنعام
إنها تربية إسلامية فاضلة تتفاعل مع الإنسان ويتفاعل معها فتشكل قناعاته وتصوراته للوجود و تحدد سلوكاته ومواقفه في الحياة وتدور معه حيث دار في بيته ومسجده وشارعه وسوقه ومؤسسة عمله ، في صحته ومرضه في غناه وفقره في قوته وضعفه في سروره وحزنه ، في منشطه ومكرهه ، في علاقته مع ربه ومع نفسه وعائلته وإخوانه المسلمين وسائر الناس أجمعين ، وهذه التربية الإسلامية بهذا المعنى الشمولي هي مهمة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ التي بعث لأجلها {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} (2) سورة الجمعة
أيها الإخوة المسلمون : لقد أمرنا الله تعالى بإحراز جميع العلوم النافعة وأمرنا أيضا أن نصبغها بصبغة الإسلام والإيمان فالقرآن الكريم آيات الله المسطورة والكون كله آياته المنظورة والمنثورة ومن ذهب يستغني بنوع من الآيتين عن أختها فشأنه كشأن الأعمى في وسط النور أو المبصر في وسط الظلمة كلاهما في ظلام دامس.
ولذلك ( قرر المحققون أن للعلوم والكتب روحا كالكائنات الحية، فالمسلمون في عصور حضارتهم حينما درسوا العلوم شحنوها بروح الإيمان بالله وروح الفضيلة. واليونان من قبل والأوروبيون اليوم شحنوا مختلف العلوم بروح الإلحاد وروائح الرذيلة والتمرد على الخالق ثم على الأخلاق. ومن هنا يأتي دور التربية الإسلامية لتشحن العلوم كلها بروح الإيمان وروح الفضيلة) والإحسان.
( فالعلوم كلها بمختلف تخصصاتها لا تفيد أصحابها ولا تفيد المجتمع ولن تعطي شيئا من ثمراتها المرجوة إلا إذا ولجها الناس عبر بوابة التربية الإسلامية ...لأن هذه العلوم بدون التربية الإسلامية والضوابط الربانية يمكن أن تتحول إلى أسباب للدمار ومعاول للإفساد وسبلا للغش والخداع ، فالعلوم أسلحة ذات حدين ) .
والأمة اليوم مطالبة بان تجعل مصدر المعرفة لديها في كل العلوم الأدبية والنفسية والاجتماعية والتطبيقية منهج الله تعالى فننظر إلى كل شيء بمنظار الوحي قرآنا وسنة قال تعالى { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } (26) سورة الكهف
وقد بلغت العلوم المعاصرة مبلغا عظيما وهائلا من التقدم والازدهار في شتى مجالات الحياة ولكنها بقيت عاجزة إلى حد بعيد عن القضاء على الكثير من الأزمات الإنسانية في مختلف دوائرها بل لقد ساهمت هذه العلوم في ترسيخ الكثير من المشكلات الإنسانية وتحقيق الظلم والاستعباد ونشر الآفات والأمراض في الكثير من المجتمعات.
ورحم الله الإمام الغزالي رحمه الله تعالى حينما قال : ( زيادة العلم في الرجل السوء كزيادة الماء في أصول الحنظل كلما ازداد ريا ازداد مرارة )
أيها الإخوة المسلمون : تصوروا معي مهندسا لم ينشأ على التربية الإسلامية فهل سيكون بانيا مشيدا متقنا أم مخربا للعمران!
وطبيبا يفتقر إلى التربية الإسلامية هل يكون أمينا مداويا أم تاجرا مستغلا لا يعرف معنى للفضيلة والأمانة والرحمة!
والعامل الذي لا يعرف التربية الإسلامية لن يكون منتجا وإنما مخربا مستغلا محترفا في الغش والخداع وإهدار الأوقات.
وحب الوطن والتفاني في خدمته وتطويره والدفاع عنه ، صفات راقية لن نعثر عليها إلا عند أولئك الذين نشأوا على مبادئ الدين والتربية الإسلامية
والأمانة في سائر معانيها أمانة البيت وأمانة الأبناء وأمانة المجتمع والأمة ، أبطالها هم أولئك الذين تشبعوا بتعاليم الدين ومبادئ التربية الإسلامية.
أيها الإخوة المسلمون : لقد أدركتم مما سبق أن لا سبيل لنا للنهوض في أي مجال من مجالات حياتنا إلا بالعودة إلى الأنفس نعطرها بكتاب ربنا عز وجل وننورها بمنهج المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم ، فأزمة الأنفس هي أساس الأزمات جميعا في شتى مظاهرها العلمية والأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، وليست التربية الإسلامية إلا تجسيدا لمشروع التغيير والإصلاح المشار إليه في قوله تعالى { إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ٍ} (11) سورة الرعد
وقوله تعالى {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (104) سورة آل عمران
بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم وصلي اللهم وسلم وبارك على نبيك الكريم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أيها الإخوة المسلمون : لقد ذهبت الأمم والشعوب بعيدا في شحن مناهجها التربوية والتعليمية وفق مذاهبها وتصوراتها للكون والحياة والإنسان ، فالحضارة الغربية تنفخ في أفرادها روح الاستعلاء والاستكبار وعقدة التفوق والسيادة عل الأمم ، واحتكار الاستحقاق الحضاري الممتدة جذوره ـ في نظرهم ـ بعيدا في حضارة اليونان ، أما المساهمة الإسلامية في مجال الحضارة فلا تعدو ـ في نظرهم ـ أن تكون جدولا صغيرا على هامش النهرالحضاري الأم ، أما إسرائيل فمحور مناهجها التعليمية تكوين الدولة الصهيونية في أرض الميعاد ، والتعاليم الدينية اليهودية هي المصدر الأساس للمعرفة في جميع فروعها، جاء في مقال بعنوان (التعليم العالي في إسرائيل ) : ( إن سياسة التعليم العالي تهدف إلى تنمية العقيدة اليهودية والولاء لها بالإضافة إلى الدعاية لإسرائيل)
وفي المقابل نجد في بلادنا الإسلامية والعربية فقرا فاحشا لدى شبابنا إلى التكوين الإسلامي ، فالعاطفة الدينية لدى الكثير من شبابنا ضعيفة جدا وعقيدتهم في الله واليوم الآخر لا قرار لها وعلاقتهم بكتاب الله تعالى تنذر بالخطر ، أما إيمانهم برسالتهم ودورهم تجاه أمتهم وتجاه غيرهم من الشعوب فمسألة فيها نظر ، وأما أخلاق الإسلام وفضائله وآدابه فيعييك البحث عنها في أوساطهم ، وبنفس المنظار ينظرون إلى حضارتهم وتاريخهم وأعلامهم ولغتهم وثقافتهم وسائر خصوصياتهم..
وإذا أردت أن تطلع على مكانة التربية الإسلامية لدى شبابنا وشاباتنا فقم بجولة سريعة أمام معاقل التربية والتعليم ، أمام مدارسهم ومتوسطاتهم وثانوياتهم ولا أنصحك بزيارة الجامعات لأنك عندها ستصاب بالذهول مما ترى من الأحوال وتسمع من الأقوال !
يصف محمد اقبال رحمه الله تعالى شبابنا الذي لم يتلقى مبادئ الدين وأخلاق الإسلام فيقول: ( ان الشباب المثقف فارغ الاكواب ظمان الشفتين مصقول الوجه مظلم الروح كليل البصر ضعيف اليقين كثير الياس هؤلاء الشبان ... ينكرون انفسهم ويؤمنون بغيرهم يبني الاجانب من ترابهم الإسلامي كنائس واديارا ...إن المدرسة قد نزعت العاطفة الدينية منهم وأصبحوا خبر كان . اجهل الناس لنفوسهم وأبعدهم من شخصياتهم . شغفتهم الحضارة الغربية فيمدون اكفهم الى الأجانب ليتصدقوا عليهم بخبز شعير ويبيعون ارواحهم في ذلك ...إن المعلم لا يعرف قيمتهم فلم يخبرهم بشرفهم ولم يعرفهم بشخصيتهم ، مؤمنون ولكن لا يعرفون سر الموت ولايومنون بانه لاغالب الا الله ،ان الافرنج قد قتلوهم من غير حرب ولا ضرب.. عقول وقحة وقلوب قاسية وعيون لاتعف عن الحرام وقلوب لاتذوب بالقوارع كل ماعندهم من علم وفن ودين وسياسة وعقل وقلب يطوف حول الماديات .قلوبهم لاتتلقى الخواطر المتجددة .. وافكارهم لاتساوي شيئا .. حياتهم جامدة واقفة متعطلة)
فبقدر إعراضنا عن التربية الإسلامية ضاعت الأخلاق وانحطت القيم في مجتمعنا الكبير ، فانتشر الفسق والفجور وجاهر الناس بالفواحش والمنكرات وكثر التعدي على الأعراض والحرمات وظهر التخنث والترجل والتميع في الطرقات وعقوق الآباء والأمهات.
فهل نستوعب الدرس ونعود إلى ذواتنا ونعيد الاعتبار للتنشئة الإسلامية في بيوتنا ومساجدنا ومؤسساتنا التربوية وجامعاتنا أم أننا نزداد عنادا وتيها وشرودا عن الحق فنعالج المرض بالمرض فنجهز على ما تبقى من آثار الدين والأخلاق في مجتمعنا عموما ومؤسساتنا التربوية خصوصا ، فيتحقق فينا قول القائل ( وداوني بالتي كانت هي الداء) !!!
وصدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حينما بين معالم المنهج التربوي فقال : ( تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم) ......
الدعاءhttp://sor.w2hm.com/files/image/t/w1.gif
خطبة جمعة بعنوان التربية الإسلامية
إعداد وإلقاء الأستاذ فوزي غراب
إمام خطيب بمسجد الإخلاص
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .. يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك .. أحمدك ربي حتى ترضى وأحمدك ربي إذا رضيت بيدك ناصية كل دابة وإليك مصير كل نسمة فسبحانك سبحانك لا راد لأمرك ولا معقب لحكمك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير .
سبحانك لا افتتاح لوجودك ولا نهاية لبقائك .. مرئي بالقلوب لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في سبيل ربه حق جهاده حتى أتاه اليقين .. تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك اللهم أدخلنا مدخله واسقنا بيديه الشريفتين الكريمتين الوضاءتين شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبدا ، صلي اللهم عليه وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد أيها الإخوة المسلمون
إن عقلاء الإنسانية مجمعون على محبة الأخلاق الإنسانية الرفيعة كالصدق والأمانة والنصح والإخلاص وهم في الوقت نفسه مجمعون أيضا على بغض الأخلاق السيئة السافلة كالكذب والغش والفحش والخيانة وكل مظاهر الفساد والإنحراف.
ومهما حاول هؤلاء العقلاء تحقيق الصلاح لمجتمعاتهم فإن السبيل الوحيد لنيل محاسن الأخلاق وذرء مفاسدها هي التربية الإسلامية الفاضلة المجسدة لمنهج الله تعالى الأكمل والأتم في إيجاد الفرد الصالح والمجتمع الصالح والأمة الصالحة ، إنه منهج تربوي فريد يستوعب الإنسان كله في روحه وعقله وجسده ويهيمن على حياته كلها في كل أزمنتها ومظاهرها ومجالاتها
{ِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا } (3) سورة المائدة
{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (153) سورة الأنعام
إنها تربية إسلامية فاضلة تتفاعل مع الإنسان ويتفاعل معها فتشكل قناعاته وتصوراته للوجود و تحدد سلوكاته ومواقفه في الحياة وتدور معه حيث دار في بيته ومسجده وشارعه وسوقه ومؤسسة عمله ، في صحته ومرضه في غناه وفقره في قوته وضعفه في سروره وحزنه ، في منشطه ومكرهه ، في علاقته مع ربه ومع نفسه وعائلته وإخوانه المسلمين وسائر الناس أجمعين ، وهذه التربية الإسلامية بهذا المعنى الشمولي هي مهمة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ التي بعث لأجلها {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} (2) سورة الجمعة
أيها الإخوة المسلمون : لقد أمرنا الله تعالى بإحراز جميع العلوم النافعة وأمرنا أيضا أن نصبغها بصبغة الإسلام والإيمان فالقرآن الكريم آيات الله المسطورة والكون كله آياته المنظورة والمنثورة ومن ذهب يستغني بنوع من الآيتين عن أختها فشأنه كشأن الأعمى في وسط النور أو المبصر في وسط الظلمة كلاهما في ظلام دامس.
ولذلك ( قرر المحققون أن للعلوم والكتب روحا كالكائنات الحية، فالمسلمون في عصور حضارتهم حينما درسوا العلوم شحنوها بروح الإيمان بالله وروح الفضيلة. واليونان من قبل والأوروبيون اليوم شحنوا مختلف العلوم بروح الإلحاد وروائح الرذيلة والتمرد على الخالق ثم على الأخلاق. ومن هنا يأتي دور التربية الإسلامية لتشحن العلوم كلها بروح الإيمان وروح الفضيلة) والإحسان.
( فالعلوم كلها بمختلف تخصصاتها لا تفيد أصحابها ولا تفيد المجتمع ولن تعطي شيئا من ثمراتها المرجوة إلا إذا ولجها الناس عبر بوابة التربية الإسلامية ...لأن هذه العلوم بدون التربية الإسلامية والضوابط الربانية يمكن أن تتحول إلى أسباب للدمار ومعاول للإفساد وسبلا للغش والخداع ، فالعلوم أسلحة ذات حدين ) .
والأمة اليوم مطالبة بان تجعل مصدر المعرفة لديها في كل العلوم الأدبية والنفسية والاجتماعية والتطبيقية منهج الله تعالى فننظر إلى كل شيء بمنظار الوحي قرآنا وسنة قال تعالى { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } (26) سورة الكهف
وقد بلغت العلوم المعاصرة مبلغا عظيما وهائلا من التقدم والازدهار في شتى مجالات الحياة ولكنها بقيت عاجزة إلى حد بعيد عن القضاء على الكثير من الأزمات الإنسانية في مختلف دوائرها بل لقد ساهمت هذه العلوم في ترسيخ الكثير من المشكلات الإنسانية وتحقيق الظلم والاستعباد ونشر الآفات والأمراض في الكثير من المجتمعات.
ورحم الله الإمام الغزالي رحمه الله تعالى حينما قال : ( زيادة العلم في الرجل السوء كزيادة الماء في أصول الحنظل كلما ازداد ريا ازداد مرارة )
أيها الإخوة المسلمون : تصوروا معي مهندسا لم ينشأ على التربية الإسلامية فهل سيكون بانيا مشيدا متقنا أم مخربا للعمران!
وطبيبا يفتقر إلى التربية الإسلامية هل يكون أمينا مداويا أم تاجرا مستغلا لا يعرف معنى للفضيلة والأمانة والرحمة!
والعامل الذي لا يعرف التربية الإسلامية لن يكون منتجا وإنما مخربا مستغلا محترفا في الغش والخداع وإهدار الأوقات.
وحب الوطن والتفاني في خدمته وتطويره والدفاع عنه ، صفات راقية لن نعثر عليها إلا عند أولئك الذين نشأوا على مبادئ الدين والتربية الإسلامية
والأمانة في سائر معانيها أمانة البيت وأمانة الأبناء وأمانة المجتمع والأمة ، أبطالها هم أولئك الذين تشبعوا بتعاليم الدين ومبادئ التربية الإسلامية.
أيها الإخوة المسلمون : لقد أدركتم مما سبق أن لا سبيل لنا للنهوض في أي مجال من مجالات حياتنا إلا بالعودة إلى الأنفس نعطرها بكتاب ربنا عز وجل وننورها بمنهج المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم ، فأزمة الأنفس هي أساس الأزمات جميعا في شتى مظاهرها العلمية والأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، وليست التربية الإسلامية إلا تجسيدا لمشروع التغيير والإصلاح المشار إليه في قوله تعالى { إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ٍ} (11) سورة الرعد
وقوله تعالى {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (104) سورة آل عمران
بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم وصلي اللهم وسلم وبارك على نبيك الكريم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أيها الإخوة المسلمون : لقد ذهبت الأمم والشعوب بعيدا في شحن مناهجها التربوية والتعليمية وفق مذاهبها وتصوراتها للكون والحياة والإنسان ، فالحضارة الغربية تنفخ في أفرادها روح الاستعلاء والاستكبار وعقدة التفوق والسيادة عل الأمم ، واحتكار الاستحقاق الحضاري الممتدة جذوره ـ في نظرهم ـ بعيدا في حضارة اليونان ، أما المساهمة الإسلامية في مجال الحضارة فلا تعدو ـ في نظرهم ـ أن تكون جدولا صغيرا على هامش النهرالحضاري الأم ، أما إسرائيل فمحور مناهجها التعليمية تكوين الدولة الصهيونية في أرض الميعاد ، والتعاليم الدينية اليهودية هي المصدر الأساس للمعرفة في جميع فروعها، جاء في مقال بعنوان (التعليم العالي في إسرائيل ) : ( إن سياسة التعليم العالي تهدف إلى تنمية العقيدة اليهودية والولاء لها بالإضافة إلى الدعاية لإسرائيل)
وفي المقابل نجد في بلادنا الإسلامية والعربية فقرا فاحشا لدى شبابنا إلى التكوين الإسلامي ، فالعاطفة الدينية لدى الكثير من شبابنا ضعيفة جدا وعقيدتهم في الله واليوم الآخر لا قرار لها وعلاقتهم بكتاب الله تعالى تنذر بالخطر ، أما إيمانهم برسالتهم ودورهم تجاه أمتهم وتجاه غيرهم من الشعوب فمسألة فيها نظر ، وأما أخلاق الإسلام وفضائله وآدابه فيعييك البحث عنها في أوساطهم ، وبنفس المنظار ينظرون إلى حضارتهم وتاريخهم وأعلامهم ولغتهم وثقافتهم وسائر خصوصياتهم..
وإذا أردت أن تطلع على مكانة التربية الإسلامية لدى شبابنا وشاباتنا فقم بجولة سريعة أمام معاقل التربية والتعليم ، أمام مدارسهم ومتوسطاتهم وثانوياتهم ولا أنصحك بزيارة الجامعات لأنك عندها ستصاب بالذهول مما ترى من الأحوال وتسمع من الأقوال !
يصف محمد اقبال رحمه الله تعالى شبابنا الذي لم يتلقى مبادئ الدين وأخلاق الإسلام فيقول: ( ان الشباب المثقف فارغ الاكواب ظمان الشفتين مصقول الوجه مظلم الروح كليل البصر ضعيف اليقين كثير الياس هؤلاء الشبان ... ينكرون انفسهم ويؤمنون بغيرهم يبني الاجانب من ترابهم الإسلامي كنائس واديارا ...إن المدرسة قد نزعت العاطفة الدينية منهم وأصبحوا خبر كان . اجهل الناس لنفوسهم وأبعدهم من شخصياتهم . شغفتهم الحضارة الغربية فيمدون اكفهم الى الأجانب ليتصدقوا عليهم بخبز شعير ويبيعون ارواحهم في ذلك ...إن المعلم لا يعرف قيمتهم فلم يخبرهم بشرفهم ولم يعرفهم بشخصيتهم ، مؤمنون ولكن لا يعرفون سر الموت ولايومنون بانه لاغالب الا الله ،ان الافرنج قد قتلوهم من غير حرب ولا ضرب.. عقول وقحة وقلوب قاسية وعيون لاتعف عن الحرام وقلوب لاتذوب بالقوارع كل ماعندهم من علم وفن ودين وسياسة وعقل وقلب يطوف حول الماديات .قلوبهم لاتتلقى الخواطر المتجددة .. وافكارهم لاتساوي شيئا .. حياتهم جامدة واقفة متعطلة)
فبقدر إعراضنا عن التربية الإسلامية ضاعت الأخلاق وانحطت القيم في مجتمعنا الكبير ، فانتشر الفسق والفجور وجاهر الناس بالفواحش والمنكرات وكثر التعدي على الأعراض والحرمات وظهر التخنث والترجل والتميع في الطرقات وعقوق الآباء والأمهات.
فهل نستوعب الدرس ونعود إلى ذواتنا ونعيد الاعتبار للتنشئة الإسلامية في بيوتنا ومساجدنا ومؤسساتنا التربوية وجامعاتنا أم أننا نزداد عنادا وتيها وشرودا عن الحق فنعالج المرض بالمرض فنجهز على ما تبقى من آثار الدين والأخلاق في مجتمعنا عموما ومؤسساتنا التربوية خصوصا ، فيتحقق فينا قول القائل ( وداوني بالتي كانت هي الداء) !!!
وصدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حينما بين معالم المنهج التربوي فقال : ( تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم) ......
الدعاءhttp://sor.w2hm.com/files/image/t/w1.gif