زهير
15-02-2010, 11:04 صباحاً
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
الحمد لله الذي لم يتّخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذلّ، وكبّره تكبيرا، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام الأتقياء نيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا، أمّا بعد: فإنّ من أعظم نعم الله تعالى على الإنسان في هذه الحياة نعمة الولد، إذ هو منحة إلهية، وهبة ربانية، قال تعالى:" لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ "[الشورى : 49/50]، وإذا أردت عبدَ الله أن تعرف عظم هذه المنة فانظر إلى من حُرمها، كيف يتحرّق ويتمنى أن يرزق ولدا يملأ عليه دنياه فرحا وحبورا؟
وإذا كان الولد بهذه المنزلة، وجب على المسلم أن يشكر هذه النعمة، لأنّ شكر النعم سبيل إلى استقرارِها ودوامها، ونزولِ البركة فيها، قال تعالى:" وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ "[إبراهيم : 7]، ومِنْ شكر هذه النعمة التي تفضل الله بها عليك يا عبد الله أن تربي أبناءك وفق المنهج الذي أراده الله تعالى، وأن تُلزمهم بتطبيق شرع الله في السر والعلن، واقتفاء سنة رسوله صلى الله عليه وسلّم منذ نعومة أظفارهم، فإيّاك عبد الله أن تقابل امتنان الله عليك بهم بمعصية الله فيهم، فإذا فعلت ذلك فاعلم أنّ هذه النعمة سوف تنقلب نقمة، وأنّ هذه المنحة سوف تنقلب محنة، وأنّ الفرح والسرور بهم سوف ينقلبان شقاء وبؤسا، قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ "[التغابن : 14/15]، وخوفا من هذه النهاية المؤلمة المؤسفة ابتهل المرسلون والأنبياء والصالحون إلى الله تعالى أن يحفظ على ذرياتهم دينَهم، وأن يعصمهم من الشرك بالله، والانحراف عن الجادة والصواب، فهذا سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام يخبر الله تعالى عنه قائلا:" وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ "[إبراهيم : 35]، وهذا سيدنا زكريا عليه الصلاة والسلام يقول كما أخبر الله عنه:" وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً "[مريم :5/6]، ويخبر عنه قائلا:" هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء "[آل عمران:38]، وهؤلاء عباد الرحمن أخبرنا المولى تبارك وتعالى أن من دعائهم الدعاء بصلاح الولد قال تعالى:" وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً "[الفرقان : 74]، ولهذا حرص الصالحون على تربية أبنائم التربية السديدة القويمة، فبذلوا لهم أعزّ ما يملكون من النصائح والوصايا، ومن هؤلاء لقمان الحكيم الذي أخبرنا الله عنه قائلا:
" وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ {12} وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ {13} وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ {14} وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ {15} يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ {16} يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ {17} وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ {18} وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ {19} ".
الوقفة الأولى: بين يدي هذه الوصايا.
تعتبر هذه الوصايا من أفضل الوصايا وأنفعها، وكيف لا تكون كذلك؟ وهي وصايا أصول ترجع إليها غيرها من الوصايا، كيف لا تكون كذلك؟ وقد حكاها الله تعالى في كتابه الكريم لتبقى خالدةً تُتلى وتُذكر إلى قيام الساعة، كيف لا تكون كذلك؟ وقد وصف الله تعالى صاحبها بالحكمة، قال تعالى:(وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)، والحكمة هي العلم النافع المورث للعمل الصالح، وهذا يجعل العبد مصيبا في أقواله وأفعاله، قال الله تعالى:" يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ "[البقرة : 269]
ومما يدل على حكمتة، تقديمه لابنه مثل هذه الوصايا الغالية، وتعامله معه بلطف أثناء وعظه إيّاه، ففي كل مرّة يقول له بأسلوب جذاب ينمّ عن الشفقة والحبّ:" يا بني " حتّى يستثير مشاعره، ويستجيش عواطفه -لا عن طريق الضرب والتهديد بالقتل ونحو ذلك مما يفعله الآباء في زماننا- ممّا يجعل لهذه الوصايا تأثيرا بالغا في نفس الصبي، قال تعالى:(وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ) والموعظة هي: الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب.
لذا فيجب على الآباء وعظُ الأبناء وتربيتهم منذ الصغر وإسداءُ الوصية لهم والنصيحة،كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلّم مع ابن عباس وغيره من صغار الصحابة، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: " كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ: يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ " رواه الترمذي، ذلك لأن التربية تكون في الصغر أنفعَ منها في الكبر قال الشاعر:
وينشأ ناشئ الفتيان فينا *** على ما كان عوده أبوه
وما دان الفتى بحجى *** ولكن يعوده التديُّن أقربوه
وقال آخر:
قد ينفع الأدبُ الأحداثَ من صغر *** وليس ينفع بعد الشيبةِ الأدبُ
إنّ الغصـون إذا قوّمْتها اعتدلت *** ولن تلين إذا قوّمتهـا الخُشبُ
وقال آخر:
يُقوِّمُ مِنْ ميلِ الغـلامِ المؤدِّبُ *** ولا ينفع التّأديبُ والرَّأسُ أشيبُ
وقد قيل: ." العلم في الصغر كالنقش على الحجر، و العلم في الكبر كالغرز بالإبر ".
ولذا درج السلف على هذا وكانوا يوصون أبناءهم وبناتهم حتى الكبارَ منهم المقبلين على الزواج، والنماذج في ذلك كثيرة معروفة بإذن الله تعالى، وإذا أردت يا عبد الله أن تكون ناجحا في تربيتك لأبنائك فكن حكيما وكن قدوة لهم كما كان لقمان رحمه الله تعالى (وهو عبد صالح من عباد الله تعالى وليس نبيا على الصحيح) ، ومما يدلّ على حكمتك أيّها الأب الفاضل، وأيّتها الأمّ الفاضلة ما يلي:
1- الالتزام بمنهج الله وشرعه في بيتك وسلوكِك وتعامِلك، وتعبدِّك لله تعالى، ومظهرِك ومخبرِك.
2- اقتفاء أثر رسول الله، واتباع سنته، والاطلاع على سيرته، لتتعرف على تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلّم في بيته ومع أبنائه.
3- الابتهال إلى الله ودعائه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى في إصلاح أولادك، فهذا شأن الأنبياء والمرسلين، ودأب عباد الله المؤمنين كما سبق.
ثمّ اعلم عبد الله أنّ التربية هي التزكية، كما قال الله تعالى:" هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ "[الجمعة : 2]، قال ابن كثير رحمه الله تعالى:" يزكيهم: أي يطهّرهم من رذائل الأخلاق، ودنس النفوس، وأفعال الجاهلية، ويخرجهم من الظلمات إلى النور "، فالتربية إذاً هي إحدى المهام التي من أجلها بعثت الرسل، وأنزلت الكتب، لذا كانت من الأمور الواجبة، قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ "[التحريم : 6]، قال عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه:" أدّبوهم وعلّموهم "، وقال قتادة:"يأمرهم بطاعة الله، وينهاهم عن معصيته، وأن يقوم عليهم بأمر الله يأمرهم به، ويساعدهم عليه، فإذا رأيت لله معصية قَذَعْتهم عنها وزجرتهم عنها ".
وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنه قَالُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:" كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، قَالَ وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ " متفق عليه.
وأعظم بل وأسمى ما يربي عليه المسلم أبناءه هو تحقيقُ العبودية لله تعالى، وإخلاصُ العبادة له، والسلامةَ من الشرك، وهذا أول ما بدأ به لقمان الحكيم.
الوقفة الثانية: تربية الأبناء على توحيد الله تعالى ونبذ الشرك به.
قال تعالى:(يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)
يوصي لقمان الحكيم ابنه بلطف وحكمة بعدم الشرك بالله تعالى، وهي أعظم وصية نقدمها للأبناء لأن الشرك هو أعظم ما نهى الله تعالى عنه، وهو أعظم معصية على الإطلاق، لأن فيه تفريطا في أعظم حقوق الله تعالى وهو التوحيد الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له، لذا قال: (إن الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، ودل على هذا المعنى ما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "[الأنعام: 82] شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم).
وقد جاء تفسير الشرك في حديث ابن مسعود رضي الله عنه حيث قال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ:أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ قَالَ: وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قُلْتُ ثُمَّ أَيُّ قَالَ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ " متفق عليه
ومعنى هذا أن تجعل مثيلا لله تدعوه وتستعين به وتعبده من دون الله تعالى، كيف لا يكون الشرك أعظم الذنوب وأبشعها وأفظعها؟ وفيه تسوية المخلوق من تراب بمالك الرقاب، كيف لا يكون كذلك؟ وفيه تسوية الذي لا يملك من الأمر شيئا بمن له الأمر كلّه، كيف لا يكون كذلك؟ وفيه تسوية الناقص الفقير الحقير بالرب الكامل الغني من جميع الوجوه، ولهذا تضافرت الأدلة في بيان خطر الشرك وجسامته ومن هذه الأدلة ما يلي:
قال تعالى:" وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ "[المائدة : 72]
وقال:"إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً "[النساء : 48]
وقال:"إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً "[النساء : 116]
وعن جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قَالَ:" سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:" مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ " رواه مسلم.
ومظاهر الشرك في بلدنا كثيرة منها: دعاء الأموات والاستنجاد بهم والطواف حول قبورهم، وتصديق الكهان والعرافين والرمالين، تعليق التمائم، الحلف بغير الله، ...إلخ
وخلاصة القول أنه يجب على الآباء تعليم أبنائهم العقيدة السليمة منذ نعومة أظفارهم، وغرسها في قلوبهم، كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلّم، كما سبق مع ابن عباس، وكما فعل مع جارية معاوية بن الحكم السلمي حينما سألها فقال لها: « أين الله؟ فقالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة » رواه مسلم.
فلابدّ أن نعلّمهم معنى التوحيد وأقسامه، ويجب أن نعلّمهم أركان الإيمان وأصوله، ولابد أن نحذّرهم من الشرك والكفر وأنواعهما ومغبة الوقوع فيهما، ولابدّ أن نربيهم على حبّ الله ورسوله لا على سبّهما والانتقاص من قدرهما كما هو حال الكثير من البيوت اليوم نعوذ بالله من ذلك.
الوقفة الثالثة: تربية الأبناء على طاعة الوالدين في المعروف، والتحذير من عقوقهما.
قال تعالى:(وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ(1) وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً)(2).
بعدما ذكر الله تعالى ما يتعلق بحقه وهو أعظم الحقوق، ذكر ما يتعلّق بحق الوالدين إذ هما سبب وجود العبد، وقد وقع مثل هذا الترتيب في كثير من آيات القرآن الكريم من ذلك قوله تعالى:"واعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً... "[النساء : 36]
وقوله تعالى:" وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..."[البقرة : 83]
وقوله تعالى" قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ... "[الأنعام : 151]
وكما في آيات سورة الإسراء:" وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * و َاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً "[الإسراء :23/24]
فيجب على الابن طاعة والديه في المعروف، وطاعة الأم آكد من طاعة الأب وذلك أن الله تعالى لما خص الأم بدرجة ذكر الحمل وبدرجة ذكر الرضاع حصل لها بذلك ثلاث مراتب، وللأب واحدة؛ وأشبه ذلك قوله صلى الله عليه وسلم حين قال له رجل من أبّر؟" قال: (أمك) قال ثم من؟ قال: (أمك) قال ثم من؟ قال: (أمك) قال ثم من؟ قال: (أبوك)" رواه أبو داود، فجعل له الّربع من المبرة كما في هذه الآية.
ومع عظم حق الوالدين إلاّ أنّ حقّ الله أولى وأعظم ولذلك قال:" وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما"
وجملة القول في هذا الباب أن طاعة الأبوين لا تراعى في ركوب كبيرة ولا في ترك فريضة على الأعيان، وتلزم طاعتهما في المباحات، ويستحسن في ترك بعض الطاعات كالندب؛ وفروض الكفايات كالجهاد إذا كان فرض كفاية، قال عليه الصلاة والسلام:" لا طاعة لأحد في معصية الله، إنّما الطاعة في المعروف" متفق عليه.
فاحرص أيّها الأب واحرصي أيتها الأم على تربية الأبناء على الطاعة، وعدم أمرهم بالمعصية، فمن الآباء من يأمر ابنه بترك الصلاة، أو على الأقل تركها في جماعة المسلمين، ومن الآباء من يأمر ابنه بعدم صلة الأرحام، ومن الآباء من يأمر ابنته بمعصية زوجها، ومنهم من يأمر ابنه بأن يشتري له المخدرات والدخان ... وكل هذا من معصية الله فلا تنتظر من ابنك الطاعة في مثل هذا.
ومع ذلك فاحذر أيها الابن أن تسيء الأدب مع الوالدين وإن لم يكونا مسلمين، وإن لم يكونا ملتزمين مستقيمين على شرع الله تعالى، ولذلك قال تعالى: "وصاحبهما في الدنيا معروفا"(3).
فيجب على الأبناء صلة الأبوين الكافرين بما أمكن من المال إن كانا فقيرين، وإلانة القول لهما ودعوتهما إلى الإسلام برفق. وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قُلْتُ:" يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ راغبة(4) أو راهبة أفأصلها؟ قال: نعم "متفق عليه واللفظ للمسلم.
ولنا في سيدنا إبراهيم أسوة حسنة فقد كان أبوه هو صانع الأصنام ومع ذلك فكان في كل مرة يدعوه قائلا:" يا أبت "، ووعده في الأخير أن يستغفر الله له كما في سورة مريم. فإذا أردت أيها المسلم أن يطيعك أبناؤك فعليك أن تتعامل معهم برفق منذ الصغر فلا تعاملهم معاملة السيّد لعبيده بل احرص على أن تكون علاقتك بهم يسودها الحب والألفة حتى يقتربوا منك ويأنسوا إليك، كما عليك أن لا تفرق بينهم بأيّ أمر مهما صغر لأن ذلك يورّث بينهم العداوة والبغضاء، كما يكون ذريعة إلى العصيان والتمرد عليك، فعن النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ أَنَّ أُمَّهُ عمرة بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْ أَبَاهُ بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ مِنْ مَالِهِ لِابْنِهَا فَالْتَوَى بِهَا سَنَةً ثُمَّ بَدَا لَهُ فَقَالَتْ لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا وَهَبْتَ لِابْنِي فَأَخَذَ أَبِي بِيَدِي وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمَّ هَذَا بِنْتَ رَوَاحَةَ أَعْجَبَهَا أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى الَّذِي وَهَبْتُ لِابْنِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا بَشِيرُ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا قَالَ نَعَمْ فَقَالَ أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا قَالَ لَا قَالَ فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ " رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم.
الوقفة الرابعة: تربية الأبناء على اتباع سبيل الأنبياء والصالحين.
قال تعالى:(وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ(5) إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)
ثمّ أمرنا الله باتباع سبيل الأنبياء والصالحين، فهي وصية لجميع الناس؛ ثم توعد الله عز وجل ببعث من في القبور والرجوع إليه للجزاء والتوقيف على صغير الأعمال وكبيرها.
وقد دلّ على مثل هذا الكثير من آيات القرآن:
قال تعالى:"وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً "[النساء : 115]
وهذه السبيل هي سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أمره الله سبحانه وتعالى أن يبيّنها للناس جميعا: قال:" قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ "[يوسف : 108]
وهذه السبيل هي صراط الله المستقيم: قال تعالى:" وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ "[الأنعام : 153]، وقال:" اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * ِصرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ "[الفاتحة :6/ 7]
فيجب على الآباء أن يعلموا أبناءهم طاعة العلماء واحترامهم واتباعهم في المعروف، لأنهم يمثلون القدوة الحسنة، ولنا في رسول الله صلّى الله عليه وسلم الأسوة والقدوة الحسنة، قال تعالى:" لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً "[الأحزاب : 21]
وقال:" قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ "[الممتحنة : 4]
الوقفة الخامسة: تربية الأبناء على الإيمان بقدرة الله العظيمة وعلمه الواسع.
قال تعالى: (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير).
وهذا القول من لقمان إنما قصد به إعلام ابنه بقدر قدرة الله تعالى(6)، وسعة علمه، فهو سبحانه يعلم الجهر وما يخفى، ويعلم السر وأخفى، قد أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا سبحانه لا شريك له، فالمظلمة أو الخطيئة لو كانت مثقال حبة خردل (نبات عشبي متناه في الصغر) يحضرها الله تعالى يوم القيامة حين يضع الموازين القسط ليوم القيامة، ويجازي عليها إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ويدل على صحة هذا قول ابن لقمان لأبيه كما في كتب التفسير: يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله؟ فقال لقمان له: "يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة" الآية(7)، وهكذا شأن الموعظة فلا بد لها من الترجية والتخويف حتّى تؤتي أكلها.
فعلى الوالدين تربية الأبناء على استحضار قدرة الله تعالى وسعة علمه، وهذا حري بأن ينشئ الطفل على تقوى الله تعالى والخوف منه، وكان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: " أسألك خشيتك في الغيب والشهادة" أخرجه أحمد والنسائي وصححه الألباني.
وكان الإمام أحمد كثيراً ما ينشد قول الشاعر:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل *** خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ســـاعة *** ولا أن ما يخفى عليه يغيـب
وقال آخر:
إذا ما خلوت بريبة في ظلمة *** والنفس داعية إلى العصـــيان
فاستح من نظر الإله وقل لها*** يا نفس إن الذي خلق الظلام يراني
وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالتقوى، فقال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه : « اتق اللّه حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن » رواه الترمذي، وحقيقة التقوى كما قال طلق بن حبيب رحمه الله :" التقوى أن تعمل بطاعة اللّه على نور من اللّه ترجو ثواب اللّه، وأن تترك معصية اللّه على نور من اللّه تخاف عقاب اللّه "، وعرفها سيدنا علي رضي الله عنه بقوله:" التقوى الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل "، وقال بعضهم:" التقوى أن لا يراك مولاك حيث نهالك، وأن لا يفقدك حيث أمرك " .
وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه : من غضبه، وسخطه، وعقابه وقاية تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه، والتقوى الكاملة : فعل الواجبات، وترك المحرمات والشبهات، وربما دخل فيها بعد ذلك فعل المندوبات وترك المكروهات.
الوقفة السادسة: تربية الأبناء على أداء الفرائض وعلى رأسها الصلاة، واجتناب النواهي.
قال الله تعالى:(يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ)
فعلى الوالدين تربية أبنائهما على الصلاة والمحافظة عليها منذ الصغر، فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ:" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ " رواه أبو داود.
وكذلك الأمر بالنسبة لسائر الفرائض كالصيام، فقد كان السلف يفعلون ذلك، فعَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ:" أَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الْأَنْصَارِ مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَليَصُمْ قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا وَنَجْعَلُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِنْ الْعِهْنِ فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الْإِفْطَارِ" متفق عليه، ويربى الأبناء على حفظ القرآن والحديث منذ الصغر، حتى قال عبد الله بن داود (ت 213هـ): "ينبغي للرجل أن يكره ولده على سماع الحديث"، ولا بد أن تربى البنت على التستر والعفاف بلبس الحجاب، لا أن تربى البنت منذ الصغر على الإسراف في الاهتمام بمظهرها على حساب جوهرها، إسرافا يخرجها من حدود المعقول، بل والمشروع، فتصل إلى حدود الترف والمبالغة، فتجد البنت تقضي الساعات الطوال أمام المرآة للعناية بمظهرها، ثمّ فتنة الرجال بعد ذلك، ألهذا خلقت البنت، لا والله، بل خلقت لعبادة الله تعالى، خلقت لتعدّ لنا الأجيال:
الأم مدرسة إذا أعددتها *** أعددت شعبا طيب الأعراق
فعليك يا عبد الله، وعليك يا أمة الله أن تربي بناتك على الطاعة، على الحشمة، على العفاف، فتفويت ذلك فيه خسران للآخرة، وتفويت للأجر العظيم الوارد في الكثير من الأحاديث، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ وَضَمَّ أَصَابِعَهُ " رواه مسلم، وعن عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" مَنْ ابْتُلِيَ مِنْ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ " رواه مسلم، وهكذا نفس الشيء بالنسبة للنواهي فلا بدّ أن يربى الأبناء على اجتناب المحرمات منذ الصغر، كلبس الذهب بالنسبة للذكور، وسماع الغناء ونحو ذلك.
الوقفة السابعة: تربية الأبناء على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال تعالى:(وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ)
فهذه الأمة هي أمّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولذا امتدحها الله تعالى بقوله:" كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ... "[آل عمران:110]
وما أصابنا ما أصابنا إلاّ بعدما تهاونا في هذه الشعيرة من شعائر هذا الدين العظيمة، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:" مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ " رواه مسلم، وعن النُّعْمَان بْن بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا،عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا " رواه البخاري، فالسبيل إلى الخروج مما نحن فيه هو القيام بهذه الشعيرة حق القيام بضوابطها وشروطها، فعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ " رواه الترمذي، ولا يتمّ لنا ذلك إلاّ إذا ربينا أبناءنا على القيام بهذه الشعيرة العظيمة.
الوقفة الثامنة: تربية الأبناء على الصبر.
والصبر حبس النفس على ما تكره، وعلى هذا فهو ثلاثة أنواع:
صبر على المقدور: أي حبسها عن التسخط من أقدار الله، وصبر على المأمور: أي حبسها على طاعة الله، وصبر عن المحظور: أي حبسها عن معصية الله، وقد أمرنا الله به في كتابه فقال تعالى:" وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ "[البقرة:45]، كما حثّ عليه في قوله:" إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10]، وقد حثّ عليه النبي صلّى الله عليه وسلّم كما في حديث أبي مالك الأشعري بقوله:" إسباغ الوضوء شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان والتسبيح والتكبير يملأ السموات والأرض والصلاة نور والزكاة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها " رواه الحاكم وغيره كما في صحيح الجامع.
وإنما ذكر الله تعالى الصبر بعد ذكره الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنه عَلِم أنّ الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر سيناله الأذى فأمره بالصبر، ومثل هذا في سورة العصر، قال تعالى:" وَالْعَصْرِ {1} إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ {2} إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ {3}" وعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي اله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ " رواه ابن ماجه وأحمد، وقد ذكر الله تعالى أنّ الصبر من عزم الأمور، أي إِن الصبرمما عزمه الله وأمر به، فيجب أن يهتم به، ولا يوفق له إلا أهل العزائم، قال ابن عباس:" من حقيقة الإِيمان الصبر على المكاره ".
فعلى الآباء والأمهات أن يعلموا الصبي منذ صغره، ويربوه على مثل هذا الأمر، حتّى لا يتفاجأ، وهذا من سنن الله تعالى، لأنَّ الداعي إِلى الحق معرَّض لإِيصال الأذى إِليه، ولنا في أنبياء الله تعالى الأسوة الحسنة، قال تعالى:" وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ "[إبراهيم : 13]، ولنا في نبينا محمّد عليه الصلاة والسلام الأسوة الحسنة، إذ لما نزل عليه الوحي ورافقته خديجة رضي اله عنها إلى ورقة بن نوفل، و " أَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ " قَالَ: نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ " الحديث رواه البخاري، ولنا في الصحابة رضي الله عنهم الأسوة الحسنة، فعن خباب بن الأرت رضي الله عنه قَالَ :" أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بِبُرْدَةٍ لَهُ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا تَدْعُو اللَّهَ ، أَلا تَسْتَنْصِرُ ، فَجَلَسَ مُحْمَرًّا وَجْهُهُ غَضْبَانَا ، ثُمَّ قَالَ : لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ ، وَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَتُحْفَرُ لَهُ الْحُفْرَةُ ، ثُمَّ يُوضَعُ فِيهَا ، ثُمَّ يُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى رَأْسِهِ ، ثُمَّ يُمَشَّطُ بِأَمْشَاطٍ مِنَ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عَظْمِهِ ، فَمَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ،وَلَكِنَّكُمْ تَعْجَلُونَ ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لا يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ " رواه ابن أبي شيبة.
الوقفة التاسعة: تربية الأبناء على ترك الأخلاق السيّئة وعلى رأسها التكبر.
قال تعالى: (وَلَا تُصَعِّرْ(8) خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً(9) إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)
قال ابن كثير في تفسيرها: قال ابن عباس:" يقول لا تتكبر فتحتقر عباد الله، وتعرض عنهم بوجهك إذا كلّموك ".
فلابد أنربي أبناء على اجتناب مثل هذه الصفات الذميمة، فيجب أن نعلم الصبي إذا كلَّمَ أحدا من الناس أن لا يعرض عنه، ويميل وجهه عنه احتقارا له واستكبارا عليه، وإذا مشى فلا يمشي مِشية الخيلاء والتكبر والعناد، لأن ذلك مما يبغضه الله تعالى، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ" مسلم، وذلك لأن التكبر من صفات الباري سبحانه فمن نازعه فيها قذفه في النار، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ " رواه أبو داود وابن ماجه. وهل أخرج إبليس من الجنة، وجعله ملعونا مطرودا من رحمة الله تعالى إلا مثل هذه الصفات القبيحة؟ فقد حسد أبانا آدم، واستكبر عليه فرفض السجود له استجابة لأمر الله، قال تعالى:" وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ "[البقرة : 34]، بل لا بد من تربته على بسط الوجه وإلانة الجانب للآخرين، والتواضع في المشية كما هو حال عباد الرحمن قال تعالى:" وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً "[الفرقان : 63]، وعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ:" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ " رواه الترمذي، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن هذه الصفات الذميمة لأن من شأنها أن تقطع أواصر الأخوة، وتمزق وشائج المحبة بين المسلمين، ونحن مأمورون بأن نكون إخوة متحابين، لا أعداء متنافرين متدابرين، قال تعالى:" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ "[الحجرات : 10]، و عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَقَاطَعُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ " رواه أحمد.
الوقفة العاشرة: تربية الأبناء على الأخلاق الحميدة: القصد في المشي، والغض من الصوت وغيرهما.
قال تعالى:(واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير)
فعلينا أن نربي أبناءنا على الأخلاق الكريمة، من ذلك القصد في المشي، وهو مشي متوسط ليس بالبطيء الذي يدل على التماوت والذلة والحقارة، ولا بالسريع المفرط الذي يدل على التكبر والتبختر.
فخير الأمور الوسط الوسيط *** وشرها الإفراط والتفريط.
ومن ذلك الغض من الأصوات وعدم رفعها لأن في ذلك تشبها بالحمير، ذوات الأصوات القبيحة التي يبغضها الله، فلا يصخب في الأسواق، ولا يرفع صوته في الشوارع والطرقات من أجل المباريات، بل حتى في العطاس والتثاؤب أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعدم رفع أصواتنا فيهما وأن نكظم ما استطعنا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ وَلَا يَقُلْ هَاهْ هَاهْ فَإِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنْ الشَّيْطَانِ يَضْحَكُ مِنْهُ " رواه أبو داود، و عَنْه رضي الله عنه أيضا:" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا عَطَسَ غَطَّى وَجْهَهُ بِيَدِهِ أَوْ بِثَوْبِهِ وَغَضَّ بِهَا صَوْتَهُ " رواه الترمذي، وقد زجر صاحب الجشاء كما في حديث ابْنِ عُمَرَ قَالَ:" تَجَشَّأَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: كُفَّ عَنَّا جُشَاءَكَ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " رواه الترمذي.
لأن هذا من الصفات المذمومة، بل وكل ما فيه تشبه بالحيوان فهو مذموم من ذلك: ما رواه ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ " البخاري، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ:" أَوْصَانِي خَلِيلِي وَصَفِيِّي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلاثٍ، وَنَهَانِي عَنْ ثَلاثٍ: أَمَرَنِي بِرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ لا أَنَامَ إِلا عَلَى وِتْرٍ، وَصِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَنَهَانِي: إِذَا سَجَدْتُ أَنْ أُقْعِيَ إِقْعَاءَ الْقِرَدِ، أَوْ أَنْقُرَ نَقْرَ الْغُرَابِ، أَوْ أَلْتَفِتَ الْتِفَاتَ الثَّعْلَبِ".الطبراني في الكبير.
وأخيرا على الآباء والأمهات أن يجعلوا هذا الوصايا نبراسا لهم ونموذجا في تربية أبنائهم، وعليهم أن يقرؤوها كلّما نسوا، فإنها وصايا جامعة، ووصايا أصول ترجع إليها جميع الوصايا، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله وسلّم وبارك على نبيّه محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.[/size]
مقدمة:
الحمد لله الذي لم يتّخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذلّ، وكبّره تكبيرا، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام الأتقياء نيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا، أمّا بعد: فإنّ من أعظم نعم الله تعالى على الإنسان في هذه الحياة نعمة الولد، إذ هو منحة إلهية، وهبة ربانية، قال تعالى:" لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ "[الشورى : 49/50]، وإذا أردت عبدَ الله أن تعرف عظم هذه المنة فانظر إلى من حُرمها، كيف يتحرّق ويتمنى أن يرزق ولدا يملأ عليه دنياه فرحا وحبورا؟
وإذا كان الولد بهذه المنزلة، وجب على المسلم أن يشكر هذه النعمة، لأنّ شكر النعم سبيل إلى استقرارِها ودوامها، ونزولِ البركة فيها، قال تعالى:" وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ "[إبراهيم : 7]، ومِنْ شكر هذه النعمة التي تفضل الله بها عليك يا عبد الله أن تربي أبناءك وفق المنهج الذي أراده الله تعالى، وأن تُلزمهم بتطبيق شرع الله في السر والعلن، واقتفاء سنة رسوله صلى الله عليه وسلّم منذ نعومة أظفارهم، فإيّاك عبد الله أن تقابل امتنان الله عليك بهم بمعصية الله فيهم، فإذا فعلت ذلك فاعلم أنّ هذه النعمة سوف تنقلب نقمة، وأنّ هذه المنحة سوف تنقلب محنة، وأنّ الفرح والسرور بهم سوف ينقلبان شقاء وبؤسا، قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ "[التغابن : 14/15]، وخوفا من هذه النهاية المؤلمة المؤسفة ابتهل المرسلون والأنبياء والصالحون إلى الله تعالى أن يحفظ على ذرياتهم دينَهم، وأن يعصمهم من الشرك بالله، والانحراف عن الجادة والصواب، فهذا سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام يخبر الله تعالى عنه قائلا:" وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ "[إبراهيم : 35]، وهذا سيدنا زكريا عليه الصلاة والسلام يقول كما أخبر الله عنه:" وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً "[مريم :5/6]، ويخبر عنه قائلا:" هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء "[آل عمران:38]، وهؤلاء عباد الرحمن أخبرنا المولى تبارك وتعالى أن من دعائهم الدعاء بصلاح الولد قال تعالى:" وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً "[الفرقان : 74]، ولهذا حرص الصالحون على تربية أبنائم التربية السديدة القويمة، فبذلوا لهم أعزّ ما يملكون من النصائح والوصايا، ومن هؤلاء لقمان الحكيم الذي أخبرنا الله عنه قائلا:
" وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ {12} وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ {13} وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ {14} وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ {15} يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ {16} يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ {17} وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ {18} وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ {19} ".
الوقفة الأولى: بين يدي هذه الوصايا.
تعتبر هذه الوصايا من أفضل الوصايا وأنفعها، وكيف لا تكون كذلك؟ وهي وصايا أصول ترجع إليها غيرها من الوصايا، كيف لا تكون كذلك؟ وقد حكاها الله تعالى في كتابه الكريم لتبقى خالدةً تُتلى وتُذكر إلى قيام الساعة، كيف لا تكون كذلك؟ وقد وصف الله تعالى صاحبها بالحكمة، قال تعالى:(وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)، والحكمة هي العلم النافع المورث للعمل الصالح، وهذا يجعل العبد مصيبا في أقواله وأفعاله، قال الله تعالى:" يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ "[البقرة : 269]
ومما يدل على حكمتة، تقديمه لابنه مثل هذه الوصايا الغالية، وتعامله معه بلطف أثناء وعظه إيّاه، ففي كل مرّة يقول له بأسلوب جذاب ينمّ عن الشفقة والحبّ:" يا بني " حتّى يستثير مشاعره، ويستجيش عواطفه -لا عن طريق الضرب والتهديد بالقتل ونحو ذلك مما يفعله الآباء في زماننا- ممّا يجعل لهذه الوصايا تأثيرا بالغا في نفس الصبي، قال تعالى:(وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ) والموعظة هي: الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب.
لذا فيجب على الآباء وعظُ الأبناء وتربيتهم منذ الصغر وإسداءُ الوصية لهم والنصيحة،كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلّم مع ابن عباس وغيره من صغار الصحابة، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: " كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ: يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ " رواه الترمذي، ذلك لأن التربية تكون في الصغر أنفعَ منها في الكبر قال الشاعر:
وينشأ ناشئ الفتيان فينا *** على ما كان عوده أبوه
وما دان الفتى بحجى *** ولكن يعوده التديُّن أقربوه
وقال آخر:
قد ينفع الأدبُ الأحداثَ من صغر *** وليس ينفع بعد الشيبةِ الأدبُ
إنّ الغصـون إذا قوّمْتها اعتدلت *** ولن تلين إذا قوّمتهـا الخُشبُ
وقال آخر:
يُقوِّمُ مِنْ ميلِ الغـلامِ المؤدِّبُ *** ولا ينفع التّأديبُ والرَّأسُ أشيبُ
وقد قيل: ." العلم في الصغر كالنقش على الحجر، و العلم في الكبر كالغرز بالإبر ".
ولذا درج السلف على هذا وكانوا يوصون أبناءهم وبناتهم حتى الكبارَ منهم المقبلين على الزواج، والنماذج في ذلك كثيرة معروفة بإذن الله تعالى، وإذا أردت يا عبد الله أن تكون ناجحا في تربيتك لأبنائك فكن حكيما وكن قدوة لهم كما كان لقمان رحمه الله تعالى (وهو عبد صالح من عباد الله تعالى وليس نبيا على الصحيح) ، ومما يدلّ على حكمتك أيّها الأب الفاضل، وأيّتها الأمّ الفاضلة ما يلي:
1- الالتزام بمنهج الله وشرعه في بيتك وسلوكِك وتعامِلك، وتعبدِّك لله تعالى، ومظهرِك ومخبرِك.
2- اقتفاء أثر رسول الله، واتباع سنته، والاطلاع على سيرته، لتتعرف على تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلّم في بيته ومع أبنائه.
3- الابتهال إلى الله ودعائه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى في إصلاح أولادك، فهذا شأن الأنبياء والمرسلين، ودأب عباد الله المؤمنين كما سبق.
ثمّ اعلم عبد الله أنّ التربية هي التزكية، كما قال الله تعالى:" هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ "[الجمعة : 2]، قال ابن كثير رحمه الله تعالى:" يزكيهم: أي يطهّرهم من رذائل الأخلاق، ودنس النفوس، وأفعال الجاهلية، ويخرجهم من الظلمات إلى النور "، فالتربية إذاً هي إحدى المهام التي من أجلها بعثت الرسل، وأنزلت الكتب، لذا كانت من الأمور الواجبة، قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ "[التحريم : 6]، قال عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه:" أدّبوهم وعلّموهم "، وقال قتادة:"يأمرهم بطاعة الله، وينهاهم عن معصيته، وأن يقوم عليهم بأمر الله يأمرهم به، ويساعدهم عليه، فإذا رأيت لله معصية قَذَعْتهم عنها وزجرتهم عنها ".
وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنه قَالُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:" كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، قَالَ وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ " متفق عليه.
وأعظم بل وأسمى ما يربي عليه المسلم أبناءه هو تحقيقُ العبودية لله تعالى، وإخلاصُ العبادة له، والسلامةَ من الشرك، وهذا أول ما بدأ به لقمان الحكيم.
الوقفة الثانية: تربية الأبناء على توحيد الله تعالى ونبذ الشرك به.
قال تعالى:(يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)
يوصي لقمان الحكيم ابنه بلطف وحكمة بعدم الشرك بالله تعالى، وهي أعظم وصية نقدمها للأبناء لأن الشرك هو أعظم ما نهى الله تعالى عنه، وهو أعظم معصية على الإطلاق، لأن فيه تفريطا في أعظم حقوق الله تعالى وهو التوحيد الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له، لذا قال: (إن الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، ودل على هذا المعنى ما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "[الأنعام: 82] شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم).
وقد جاء تفسير الشرك في حديث ابن مسعود رضي الله عنه حيث قال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ:أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ قَالَ: وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قُلْتُ ثُمَّ أَيُّ قَالَ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ " متفق عليه
ومعنى هذا أن تجعل مثيلا لله تدعوه وتستعين به وتعبده من دون الله تعالى، كيف لا يكون الشرك أعظم الذنوب وأبشعها وأفظعها؟ وفيه تسوية المخلوق من تراب بمالك الرقاب، كيف لا يكون كذلك؟ وفيه تسوية الذي لا يملك من الأمر شيئا بمن له الأمر كلّه، كيف لا يكون كذلك؟ وفيه تسوية الناقص الفقير الحقير بالرب الكامل الغني من جميع الوجوه، ولهذا تضافرت الأدلة في بيان خطر الشرك وجسامته ومن هذه الأدلة ما يلي:
قال تعالى:" وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ "[المائدة : 72]
وقال:"إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً "[النساء : 48]
وقال:"إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً "[النساء : 116]
وعن جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قَالَ:" سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:" مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ " رواه مسلم.
ومظاهر الشرك في بلدنا كثيرة منها: دعاء الأموات والاستنجاد بهم والطواف حول قبورهم، وتصديق الكهان والعرافين والرمالين، تعليق التمائم، الحلف بغير الله، ...إلخ
وخلاصة القول أنه يجب على الآباء تعليم أبنائهم العقيدة السليمة منذ نعومة أظفارهم، وغرسها في قلوبهم، كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلّم، كما سبق مع ابن عباس، وكما فعل مع جارية معاوية بن الحكم السلمي حينما سألها فقال لها: « أين الله؟ فقالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة » رواه مسلم.
فلابدّ أن نعلّمهم معنى التوحيد وأقسامه، ويجب أن نعلّمهم أركان الإيمان وأصوله، ولابد أن نحذّرهم من الشرك والكفر وأنواعهما ومغبة الوقوع فيهما، ولابدّ أن نربيهم على حبّ الله ورسوله لا على سبّهما والانتقاص من قدرهما كما هو حال الكثير من البيوت اليوم نعوذ بالله من ذلك.
الوقفة الثالثة: تربية الأبناء على طاعة الوالدين في المعروف، والتحذير من عقوقهما.
قال تعالى:(وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ(1) وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً)(2).
بعدما ذكر الله تعالى ما يتعلق بحقه وهو أعظم الحقوق، ذكر ما يتعلّق بحق الوالدين إذ هما سبب وجود العبد، وقد وقع مثل هذا الترتيب في كثير من آيات القرآن الكريم من ذلك قوله تعالى:"واعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً... "[النساء : 36]
وقوله تعالى:" وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..."[البقرة : 83]
وقوله تعالى" قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ... "[الأنعام : 151]
وكما في آيات سورة الإسراء:" وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * و َاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً "[الإسراء :23/24]
فيجب على الابن طاعة والديه في المعروف، وطاعة الأم آكد من طاعة الأب وذلك أن الله تعالى لما خص الأم بدرجة ذكر الحمل وبدرجة ذكر الرضاع حصل لها بذلك ثلاث مراتب، وللأب واحدة؛ وأشبه ذلك قوله صلى الله عليه وسلم حين قال له رجل من أبّر؟" قال: (أمك) قال ثم من؟ قال: (أمك) قال ثم من؟ قال: (أمك) قال ثم من؟ قال: (أبوك)" رواه أبو داود، فجعل له الّربع من المبرة كما في هذه الآية.
ومع عظم حق الوالدين إلاّ أنّ حقّ الله أولى وأعظم ولذلك قال:" وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما"
وجملة القول في هذا الباب أن طاعة الأبوين لا تراعى في ركوب كبيرة ولا في ترك فريضة على الأعيان، وتلزم طاعتهما في المباحات، ويستحسن في ترك بعض الطاعات كالندب؛ وفروض الكفايات كالجهاد إذا كان فرض كفاية، قال عليه الصلاة والسلام:" لا طاعة لأحد في معصية الله، إنّما الطاعة في المعروف" متفق عليه.
فاحرص أيّها الأب واحرصي أيتها الأم على تربية الأبناء على الطاعة، وعدم أمرهم بالمعصية، فمن الآباء من يأمر ابنه بترك الصلاة، أو على الأقل تركها في جماعة المسلمين، ومن الآباء من يأمر ابنه بعدم صلة الأرحام، ومن الآباء من يأمر ابنته بمعصية زوجها، ومنهم من يأمر ابنه بأن يشتري له المخدرات والدخان ... وكل هذا من معصية الله فلا تنتظر من ابنك الطاعة في مثل هذا.
ومع ذلك فاحذر أيها الابن أن تسيء الأدب مع الوالدين وإن لم يكونا مسلمين، وإن لم يكونا ملتزمين مستقيمين على شرع الله تعالى، ولذلك قال تعالى: "وصاحبهما في الدنيا معروفا"(3).
فيجب على الأبناء صلة الأبوين الكافرين بما أمكن من المال إن كانا فقيرين، وإلانة القول لهما ودعوتهما إلى الإسلام برفق. وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قُلْتُ:" يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ راغبة(4) أو راهبة أفأصلها؟ قال: نعم "متفق عليه واللفظ للمسلم.
ولنا في سيدنا إبراهيم أسوة حسنة فقد كان أبوه هو صانع الأصنام ومع ذلك فكان في كل مرة يدعوه قائلا:" يا أبت "، ووعده في الأخير أن يستغفر الله له كما في سورة مريم. فإذا أردت أيها المسلم أن يطيعك أبناؤك فعليك أن تتعامل معهم برفق منذ الصغر فلا تعاملهم معاملة السيّد لعبيده بل احرص على أن تكون علاقتك بهم يسودها الحب والألفة حتى يقتربوا منك ويأنسوا إليك، كما عليك أن لا تفرق بينهم بأيّ أمر مهما صغر لأن ذلك يورّث بينهم العداوة والبغضاء، كما يكون ذريعة إلى العصيان والتمرد عليك، فعن النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ أَنَّ أُمَّهُ عمرة بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْ أَبَاهُ بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ مِنْ مَالِهِ لِابْنِهَا فَالْتَوَى بِهَا سَنَةً ثُمَّ بَدَا لَهُ فَقَالَتْ لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا وَهَبْتَ لِابْنِي فَأَخَذَ أَبِي بِيَدِي وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمَّ هَذَا بِنْتَ رَوَاحَةَ أَعْجَبَهَا أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى الَّذِي وَهَبْتُ لِابْنِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا بَشِيرُ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا قَالَ نَعَمْ فَقَالَ أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا قَالَ لَا قَالَ فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ " رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم.
الوقفة الرابعة: تربية الأبناء على اتباع سبيل الأنبياء والصالحين.
قال تعالى:(وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ(5) إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)
ثمّ أمرنا الله باتباع سبيل الأنبياء والصالحين، فهي وصية لجميع الناس؛ ثم توعد الله عز وجل ببعث من في القبور والرجوع إليه للجزاء والتوقيف على صغير الأعمال وكبيرها.
وقد دلّ على مثل هذا الكثير من آيات القرآن:
قال تعالى:"وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً "[النساء : 115]
وهذه السبيل هي سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أمره الله سبحانه وتعالى أن يبيّنها للناس جميعا: قال:" قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ "[يوسف : 108]
وهذه السبيل هي صراط الله المستقيم: قال تعالى:" وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ "[الأنعام : 153]، وقال:" اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * ِصرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ "[الفاتحة :6/ 7]
فيجب على الآباء أن يعلموا أبناءهم طاعة العلماء واحترامهم واتباعهم في المعروف، لأنهم يمثلون القدوة الحسنة، ولنا في رسول الله صلّى الله عليه وسلم الأسوة والقدوة الحسنة، قال تعالى:" لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً "[الأحزاب : 21]
وقال:" قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ "[الممتحنة : 4]
الوقفة الخامسة: تربية الأبناء على الإيمان بقدرة الله العظيمة وعلمه الواسع.
قال تعالى: (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير).
وهذا القول من لقمان إنما قصد به إعلام ابنه بقدر قدرة الله تعالى(6)، وسعة علمه، فهو سبحانه يعلم الجهر وما يخفى، ويعلم السر وأخفى، قد أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا سبحانه لا شريك له، فالمظلمة أو الخطيئة لو كانت مثقال حبة خردل (نبات عشبي متناه في الصغر) يحضرها الله تعالى يوم القيامة حين يضع الموازين القسط ليوم القيامة، ويجازي عليها إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ويدل على صحة هذا قول ابن لقمان لأبيه كما في كتب التفسير: يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله؟ فقال لقمان له: "يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة" الآية(7)، وهكذا شأن الموعظة فلا بد لها من الترجية والتخويف حتّى تؤتي أكلها.
فعلى الوالدين تربية الأبناء على استحضار قدرة الله تعالى وسعة علمه، وهذا حري بأن ينشئ الطفل على تقوى الله تعالى والخوف منه، وكان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: " أسألك خشيتك في الغيب والشهادة" أخرجه أحمد والنسائي وصححه الألباني.
وكان الإمام أحمد كثيراً ما ينشد قول الشاعر:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل *** خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ســـاعة *** ولا أن ما يخفى عليه يغيـب
وقال آخر:
إذا ما خلوت بريبة في ظلمة *** والنفس داعية إلى العصـــيان
فاستح من نظر الإله وقل لها*** يا نفس إن الذي خلق الظلام يراني
وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالتقوى، فقال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه : « اتق اللّه حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن » رواه الترمذي، وحقيقة التقوى كما قال طلق بن حبيب رحمه الله :" التقوى أن تعمل بطاعة اللّه على نور من اللّه ترجو ثواب اللّه، وأن تترك معصية اللّه على نور من اللّه تخاف عقاب اللّه "، وعرفها سيدنا علي رضي الله عنه بقوله:" التقوى الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل "، وقال بعضهم:" التقوى أن لا يراك مولاك حيث نهالك، وأن لا يفقدك حيث أمرك " .
وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه : من غضبه، وسخطه، وعقابه وقاية تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه، والتقوى الكاملة : فعل الواجبات، وترك المحرمات والشبهات، وربما دخل فيها بعد ذلك فعل المندوبات وترك المكروهات.
الوقفة السادسة: تربية الأبناء على أداء الفرائض وعلى رأسها الصلاة، واجتناب النواهي.
قال الله تعالى:(يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ)
فعلى الوالدين تربية أبنائهما على الصلاة والمحافظة عليها منذ الصغر، فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ:" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ " رواه أبو داود.
وكذلك الأمر بالنسبة لسائر الفرائض كالصيام، فقد كان السلف يفعلون ذلك، فعَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ:" أَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الْأَنْصَارِ مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَليَصُمْ قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا وَنَجْعَلُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِنْ الْعِهْنِ فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الْإِفْطَارِ" متفق عليه، ويربى الأبناء على حفظ القرآن والحديث منذ الصغر، حتى قال عبد الله بن داود (ت 213هـ): "ينبغي للرجل أن يكره ولده على سماع الحديث"، ولا بد أن تربى البنت على التستر والعفاف بلبس الحجاب، لا أن تربى البنت منذ الصغر على الإسراف في الاهتمام بمظهرها على حساب جوهرها، إسرافا يخرجها من حدود المعقول، بل والمشروع، فتصل إلى حدود الترف والمبالغة، فتجد البنت تقضي الساعات الطوال أمام المرآة للعناية بمظهرها، ثمّ فتنة الرجال بعد ذلك، ألهذا خلقت البنت، لا والله، بل خلقت لعبادة الله تعالى، خلقت لتعدّ لنا الأجيال:
الأم مدرسة إذا أعددتها *** أعددت شعبا طيب الأعراق
فعليك يا عبد الله، وعليك يا أمة الله أن تربي بناتك على الطاعة، على الحشمة، على العفاف، فتفويت ذلك فيه خسران للآخرة، وتفويت للأجر العظيم الوارد في الكثير من الأحاديث، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ وَضَمَّ أَصَابِعَهُ " رواه مسلم، وعن عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" مَنْ ابْتُلِيَ مِنْ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ " رواه مسلم، وهكذا نفس الشيء بالنسبة للنواهي فلا بدّ أن يربى الأبناء على اجتناب المحرمات منذ الصغر، كلبس الذهب بالنسبة للذكور، وسماع الغناء ونحو ذلك.
الوقفة السابعة: تربية الأبناء على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال تعالى:(وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ)
فهذه الأمة هي أمّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولذا امتدحها الله تعالى بقوله:" كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ... "[آل عمران:110]
وما أصابنا ما أصابنا إلاّ بعدما تهاونا في هذه الشعيرة من شعائر هذا الدين العظيمة، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:" مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ " رواه مسلم، وعن النُّعْمَان بْن بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا،عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا " رواه البخاري، فالسبيل إلى الخروج مما نحن فيه هو القيام بهذه الشعيرة حق القيام بضوابطها وشروطها، فعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ " رواه الترمذي، ولا يتمّ لنا ذلك إلاّ إذا ربينا أبناءنا على القيام بهذه الشعيرة العظيمة.
الوقفة الثامنة: تربية الأبناء على الصبر.
والصبر حبس النفس على ما تكره، وعلى هذا فهو ثلاثة أنواع:
صبر على المقدور: أي حبسها عن التسخط من أقدار الله، وصبر على المأمور: أي حبسها على طاعة الله، وصبر عن المحظور: أي حبسها عن معصية الله، وقد أمرنا الله به في كتابه فقال تعالى:" وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ "[البقرة:45]، كما حثّ عليه في قوله:" إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10]، وقد حثّ عليه النبي صلّى الله عليه وسلّم كما في حديث أبي مالك الأشعري بقوله:" إسباغ الوضوء شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان والتسبيح والتكبير يملأ السموات والأرض والصلاة نور والزكاة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها " رواه الحاكم وغيره كما في صحيح الجامع.
وإنما ذكر الله تعالى الصبر بعد ذكره الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنه عَلِم أنّ الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر سيناله الأذى فأمره بالصبر، ومثل هذا في سورة العصر، قال تعالى:" وَالْعَصْرِ {1} إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ {2} إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ {3}" وعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي اله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ " رواه ابن ماجه وأحمد، وقد ذكر الله تعالى أنّ الصبر من عزم الأمور، أي إِن الصبرمما عزمه الله وأمر به، فيجب أن يهتم به، ولا يوفق له إلا أهل العزائم، قال ابن عباس:" من حقيقة الإِيمان الصبر على المكاره ".
فعلى الآباء والأمهات أن يعلموا الصبي منذ صغره، ويربوه على مثل هذا الأمر، حتّى لا يتفاجأ، وهذا من سنن الله تعالى، لأنَّ الداعي إِلى الحق معرَّض لإِيصال الأذى إِليه، ولنا في أنبياء الله تعالى الأسوة الحسنة، قال تعالى:" وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ "[إبراهيم : 13]، ولنا في نبينا محمّد عليه الصلاة والسلام الأسوة الحسنة، إذ لما نزل عليه الوحي ورافقته خديجة رضي اله عنها إلى ورقة بن نوفل، و " أَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ " قَالَ: نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ " الحديث رواه البخاري، ولنا في الصحابة رضي الله عنهم الأسوة الحسنة، فعن خباب بن الأرت رضي الله عنه قَالَ :" أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بِبُرْدَةٍ لَهُ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا تَدْعُو اللَّهَ ، أَلا تَسْتَنْصِرُ ، فَجَلَسَ مُحْمَرًّا وَجْهُهُ غَضْبَانَا ، ثُمَّ قَالَ : لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ ، وَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَتُحْفَرُ لَهُ الْحُفْرَةُ ، ثُمَّ يُوضَعُ فِيهَا ، ثُمَّ يُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى رَأْسِهِ ، ثُمَّ يُمَشَّطُ بِأَمْشَاطٍ مِنَ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عَظْمِهِ ، فَمَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ،وَلَكِنَّكُمْ تَعْجَلُونَ ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لا يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ " رواه ابن أبي شيبة.
الوقفة التاسعة: تربية الأبناء على ترك الأخلاق السيّئة وعلى رأسها التكبر.
قال تعالى: (وَلَا تُصَعِّرْ(8) خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً(9) إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)
قال ابن كثير في تفسيرها: قال ابن عباس:" يقول لا تتكبر فتحتقر عباد الله، وتعرض عنهم بوجهك إذا كلّموك ".
فلابد أنربي أبناء على اجتناب مثل هذه الصفات الذميمة، فيجب أن نعلم الصبي إذا كلَّمَ أحدا من الناس أن لا يعرض عنه، ويميل وجهه عنه احتقارا له واستكبارا عليه، وإذا مشى فلا يمشي مِشية الخيلاء والتكبر والعناد، لأن ذلك مما يبغضه الله تعالى، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ" مسلم، وذلك لأن التكبر من صفات الباري سبحانه فمن نازعه فيها قذفه في النار، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ " رواه أبو داود وابن ماجه. وهل أخرج إبليس من الجنة، وجعله ملعونا مطرودا من رحمة الله تعالى إلا مثل هذه الصفات القبيحة؟ فقد حسد أبانا آدم، واستكبر عليه فرفض السجود له استجابة لأمر الله، قال تعالى:" وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ "[البقرة : 34]، بل لا بد من تربته على بسط الوجه وإلانة الجانب للآخرين، والتواضع في المشية كما هو حال عباد الرحمن قال تعالى:" وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً "[الفرقان : 63]، وعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ:" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ " رواه الترمذي، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن هذه الصفات الذميمة لأن من شأنها أن تقطع أواصر الأخوة، وتمزق وشائج المحبة بين المسلمين، ونحن مأمورون بأن نكون إخوة متحابين، لا أعداء متنافرين متدابرين، قال تعالى:" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ "[الحجرات : 10]، و عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَقَاطَعُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ " رواه أحمد.
الوقفة العاشرة: تربية الأبناء على الأخلاق الحميدة: القصد في المشي، والغض من الصوت وغيرهما.
قال تعالى:(واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير)
فعلينا أن نربي أبناءنا على الأخلاق الكريمة، من ذلك القصد في المشي، وهو مشي متوسط ليس بالبطيء الذي يدل على التماوت والذلة والحقارة، ولا بالسريع المفرط الذي يدل على التكبر والتبختر.
فخير الأمور الوسط الوسيط *** وشرها الإفراط والتفريط.
ومن ذلك الغض من الأصوات وعدم رفعها لأن في ذلك تشبها بالحمير، ذوات الأصوات القبيحة التي يبغضها الله، فلا يصخب في الأسواق، ولا يرفع صوته في الشوارع والطرقات من أجل المباريات، بل حتى في العطاس والتثاؤب أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعدم رفع أصواتنا فيهما وأن نكظم ما استطعنا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ وَلَا يَقُلْ هَاهْ هَاهْ فَإِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنْ الشَّيْطَانِ يَضْحَكُ مِنْهُ " رواه أبو داود، و عَنْه رضي الله عنه أيضا:" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا عَطَسَ غَطَّى وَجْهَهُ بِيَدِهِ أَوْ بِثَوْبِهِ وَغَضَّ بِهَا صَوْتَهُ " رواه الترمذي، وقد زجر صاحب الجشاء كما في حديث ابْنِ عُمَرَ قَالَ:" تَجَشَّأَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: كُفَّ عَنَّا جُشَاءَكَ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " رواه الترمذي.
لأن هذا من الصفات المذمومة، بل وكل ما فيه تشبه بالحيوان فهو مذموم من ذلك: ما رواه ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ " البخاري، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ:" أَوْصَانِي خَلِيلِي وَصَفِيِّي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلاثٍ، وَنَهَانِي عَنْ ثَلاثٍ: أَمَرَنِي بِرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ لا أَنَامَ إِلا عَلَى وِتْرٍ، وَصِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَنَهَانِي: إِذَا سَجَدْتُ أَنْ أُقْعِيَ إِقْعَاءَ الْقِرَدِ، أَوْ أَنْقُرَ نَقْرَ الْغُرَابِ، أَوْ أَلْتَفِتَ الْتِفَاتَ الثَّعْلَبِ".الطبراني في الكبير.
وأخيرا على الآباء والأمهات أن يجعلوا هذا الوصايا نبراسا لهم ونموذجا في تربية أبنائهم، وعليهم أن يقرؤوها كلّما نسوا، فإنها وصايا جامعة، ووصايا أصول ترجع إليها جميع الوصايا، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله وسلّم وبارك على نبيّه محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.[/size]