المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المطعم بن جالوي وحصار غزة


فوزي
18-01-2010, 05:54 مساء
المطعم بن جالوي وحصار غزة

http://www.alaqsavoice.ps/images/larg/3740.jpg

http://www.arabianbusiness.com/images/magazines/arabianbusiness.com/web/fullsize/GeorgeGalloway7110_04_full.jpg

صور استقبال جور غالاوي في غزة

جورج جالوي رجلٌ غير مسلم، نائب في البرلمان البريطاني عن حزب يُدعى "حزب الاحترام"، فقد وقف موقفًا يستحقُّ التقدير والاحترام من كلِّ مسلمٍ، وقائد قافلة شريان الحياة (3) القادمة من عدة دول أوروبية وإسلامية وعربية؛ بهدف كسر الحصار المفروض على غزَّة منذ أربع سنوات، والتي تعرَّضت لعراقيل وعوائق تحدَّث عنها الإعلام ووضَّحها، وليس مجال الخوض في أسبابها، ولكن الذي يَعنينا هو هذا الموقف الرائع والشجاع الذي يذكِّرنا فيه (جورج جالوي) بموقف المطعم بن عَدي - ولم يكن مسلمًا أيضًا – وشارك مع أربعة غيره في فكِّ الحصار عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأول من نقض ومزَّق الصحيفة التي كتبتها قريش؛ لتقاطع رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وتحاصره وصحابته الكرام، بعد أن تعرَّضوا لحصار ظالم وقاسٍ دام ثلاث سنين.

موقف (جورج جالوي) يُشبه إلى حدٍّ كبير موقف (المطعم بن عَدي)، فالقوى العظمى تفرض حصارًا خانقًا جائرًا على شعبٍ أعزل منذ أن اختار الإسلام طريقًا لحلِّ قضيته؛ باختياره - في انتخابات حُرَّة نزيهة - حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لتكون الممثل له؛ للتعبير عن قضيته والتحدُّث باسمه في المحافل الدولية، لكن المجتمع الدولي - بما فيه دول عربية وإسلامية - رفضوا اختياره هذا، وأصرُّوا أن يُنصِّبوا عليه زعماء لم يخترهم ولا يرغب فيهم؛ ليتحدثوا بلغةٍ غير لغته، ويطالبوا بمطالب ليست مطالبه، ويرغموه على قَبول أمور لا يرضاها، ولكن ارتضاها له العدو إذلالاً وإرغامًا، اختار هذا الشعب قيادته، فكان جزاؤه التجويع والحصار الخانق.

في زمن (المطعم بن عدي) كان المسلمون جميعًا في خندق واحدٍ في شِعْب بني المطلب، ولم يكن أحد خارجه؛ حيث كان الإسلام في مهده، فلم يكن هناك مجالٌ لمسلم أن يُبادرَ بفكِّ هذا الحصار؛ لأنه لم يكن هناك مسلمٌ خارج الحصار، أما الفلسطينيون اليوم، فهم مُحاطون بأكثر من مليار مسلم، ولم تتقدَّم دولة مسلمة أو تبادر لفكِّ هذا الحصار؛ إلا ما كان من هنا أو هناك على استحياء وتَمنُّنٍ وتفضُّلٍ أحيانًا، فضلاً عن أن كثيرًا منهم - للأسف - يشارك في الحصار؛ إرضاءً لقوى البغي والعدوان، وطلبًا للقربِ منها، ولو على حساب تجويع وتشريد وخنق شَعبٍ مسلم يأبى الذل والخضوع، ويرفض ثقافة التبعية والانهزامية التي ابتُليت بها الأمة في هذا العصر، فيأتي (جورج جالوي) ذلك النائب البريطاني غير المسلم، ليقوم ويقود هذه المبادرة لفكِّ الحصار، وتحمَّل ما تحمَّل من تَجشُّم للصعاب وصلت في مراحلها الأخيرة إلى الإهانة والاتهام؛ ليصل بالدواء والغذاء والغطاء الذي يحمي به مسلمين من برد الشتاء، وليرمي حَجرًا في المياه الراكدة التي لم تتحرك منذ فرض هذا الحصار الخانق.

حين تحدث الرجل في وسائل الإعلام عن هذا الحصار الظالم الذي يتعرَّض له شعبٌ مسلمٌ؛ من تجويع وحصار خانق بسبب اختياره لقيادته - تقفُ مشدوهًا متعجبًا أن يتحدث رجل غير مسلم بهذا الإنصاف، وتلك الحيادية التي لم نعهدها قبل ذلك من رجل غربي ليست له جذور عربية أو إسلامية، أو ربما أطماع سياسية - فيما نعلم - لأنه لو كان كذلك، لأعطى فرصة سانحة لوسائل الإعلام؛ لاتهامه والنيل منه.

جورج جالوي بالطبع نظر للقضية الفلسطينية بعين المنصف المحايد، فانضم إلى قافلة الضعفاء، ووقف ضد تيار المجتمع الدولي الظالم، وقد كان بوسعه - كما فعل كثيرون - أن ينضمَّ للطرف الأقوى، فيكون حديث وسائل الإعلام، وتنهمرُ عليه الجوائز من كل حدبٍ وصوبٍ، ويستقبل استقبالاً رسميًّا حافلاً، ولكنه رجلٌ يَقِظُ الضمير، جاء ليشارك أبناء غزة أحزانهم، ويخفِّف عنهم حِدَّة جوعهم وعوزهم، ويكسر - ولو معنويًّا - هذا الحصار المفروض عليهم جورًا وظلمًا، فحدث ما حدث، واستقبل هذا الاستقبال الفاتر الباهت، وكان مصيره في النهاية هذا المصير، فتحية لهذا الرجل، ونقول له: ما قاله حسان بن ثابت شاعر الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - في المطعم بن عدي:

فَلَو كَانَ مَجْدٌ يُخْلِدُ الْيَومَ وَاحِدًا مِنَ النَّاسِ أَبْقَى مَجْدُهُ الْيَومَ مُطْعِمَا
فَمَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ الْمُنِيرَةُ فَوقَهُم عَلَى مِثْلِهِ مِنْهُمْ أعزَّ وَأَكْرَمَا
إِبَاءً إِذَا يَأْبَى وَأَكْرَمَ شِيمَةً وَأَنْوَمَ عَنْ جَارٍ إذَا الَّليلُ أَظْلَمَا

د. سيد عبدالحليم الشوربجي