المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدور التربوي والاجتماعي للمسجد


موسى صاري
16-11-2009, 03:50 مساء
الدور التربوي والاجتماعي للمسجد

تعنى التربية بإعداد الأفراد وتشكيل شخصياتهم وكذا النهوض بالمجتمعات، وذلك من خلال مؤسساتها المختلفة المدرسية منها واللامدرسية. ولكي يتم اكتساب الخبرات التربوية المطلوبة، فإنه ينبغي ألا يكون هناك تناقض بين هذه المؤسسات فيما تؤديه من أدوار. فالتكامل بين مؤسسات التربية المدرسية واللامدرسية يحقق للعملية التربوية أهدافها.
والمسجد واحد من أهم هذه المؤسسات الذي كان له دور كبير في المجتمع الإسلامي عبر العصور المختلفة، ففي مجالس علمائه دونت علوم القرآن والحديث والفقه واللغة، وفي صحنه وأروقته تلقت جماهير المسلمين العلم والمعرفة على اختلاف مجالاتها. فضلاً عن أدواره الاجتماعية العديدة التي نمت من خلاله في تحقيق الروابط وآصرة الأخوة بين المسلمين، وكذا دعم الانتماء للأسرة والمجتمع دون تعصب. وغير ذلك من الأدوار في مجال السياسة والقضاء والإفتاء، إلى جانب المساهمة مع غيره من المؤسسات في مواجهة المشكلات التي تعوق حركة التنمية في المجتمع. كل هذا وغيره جعل من المسجد مؤسسة تنموية على مدار العصور. والحاجة الآن ماسة إلى الإفادة من المسجد في خدمة المجتمع والنهوض به، من أجل مواجهة التيارات المختلفة التي تحاول العصف بالعالم الإسلامي.

المسجد ومكانته
للمسجد في الإسلام مكانة سامية ترتبط بوظيفته التي تنهض بالفرد والمجتمع. وسوف نعرض لتعريف المسجد ثم لأهميته.
المسجد في اللغة : المسجد بالكسر اسم لمكان السجود.
المسجد في الشرع : يطلق على المكان المعد للصلوات. قال الزركشي : >كل مكان يتعبد فيه فهو مسجد لقوله صلى الله عليه و سلم : >وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً.
والجامع : نعت للمسجد لأنه مكان اجتماع الناس، وإذا كانت تقام فيه الجُمَع أطلق عليه "المسجد الجامع".
وفي ذلك يقول المقريزي : ولما افتتح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب البلدان كتب إلى أبي موسى الأشعري وهو على البصرة يأمره أن يتخذ مسجداً للجماعة ويتخذ للقبائل مساجد، فإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى مسجد الجماعة، وكتب إلى سعد بن أبي وقاص، وهو على الكوفة، بمثل ذلك. وكتب إلى عمرو بن العاص بمثل ذلك وهو على مصر.
والمسجد هو أحبّ البقاع إلى الله تعالى. فهو قلعة الإيمان وحصن الفضيلة، وهو بيت الأتقياء ومكان اجتماع المسلمين يومياً. وهو مركز مؤتمراتهم ومحل تشاورهم وتناصحهم، والمنتدى الذي فيه يتعارفون ويتآلفون وعلى الخير يتعاونون. لذا كان المسجد أول شيء يهتم به النبي صلى الله عليه و سلم حين قدم المدينة حيث أرسل إلى ملأ من بني النجار فقال : >يا بني النجار ثامنوني لحائطكم هذا<، قالوا : والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله. وكان فيه قبور المشركين فنبشت، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطعت، فصفوا النخل قبلة المسجد وجعلوا عضادته الحجارة، وجعلوا ينقلون الصخر، وهم يرتجزون، والنبي صلى الله عليه و سلم معهم وهو يقول : >اللهم لا خير إلا خير الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرين<.
فكان بناء المسجد أول المهام التي بادر رسول الله إلى إنجازها منذ الهجرة الشريفة، فبنى لله مسجداً قبل أن يبني لنفسه بيتاً في المدينة المنورة. وذلك لأهمية المسجد في بناء الشخصية المسلمة وتنشئتها. وكان هذا منهج الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين من بعده حتى توالى بناء المساجد مع الفتوحات الإسلامية.
ولأهمية المسجد في الإسلام رغب الدين الحنيف في بناء المساجد وعمارتها، وقال تعالى : { إنما يَعْمُر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يَخْشَ إلا اللهَ فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين }. فرغب النبي، عليه السلام، في بنائه ووعد بالثواب العظيم والأجر الجزيل على ذلك : من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة<. كما جعل الله المشي إلى المسجد مصحوباً بالثواب، ففي الحديث >أن الرجل إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا حطت عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه ما لم يحدث، تقول : اللهم ارحمه، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاته ما انتظر الصلاة<. رواه البخاري ومسلم.
كما أن الله يعد له في الجنة نزلاً ففي الحديث : >من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح< رواه مسلم.
كما أن السكينة والرحمة ونزول الملائكة وذكر الله للمؤمنين، كل ذلك مرتبط بالاجتماع في بيوت الله ومدارسة كتابه. فقد روى مسلم عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : >وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم سكينة وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده.
كما جعل الإسلام من المسجد بيتاً للأمن وسبباً للجواز على الصراط يوم القيامة. فقد روى البزار في إسناد حسن عن أبي الدرداء قوله : لتكن المساجد مجلسك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : >إن الله عز وجل ضمن لمن كانت المساجد بيته الأمنَ والجواز على الصراط يوم القيامة<. وهذا لا يتنافى مع ضرورة عمارة الأرض وحسن الخلافة فيها.
ولأهمية المسجد جعله الله تعالى أشرف بقاع الأرض وأضافها إليه. ففي الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال : >أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله تعالى أسواقها، كما قال تعالى : { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً }.
كذلك جعل الله تعالى ارتياد المساجد أمارة على الإيمان الكامل الذي يستحق الثواب الجزيل، ففي الحديث : >إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان<. وقد وعد الله المرتبطين بالمساجد المعلقة بها قلوبهم يستظلون بظله يوم القيامة. ففي الحديث : >سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله منهم : ... ورجل قلبه معلق بالمساجد<.
وفي هذا الإطار نهى الإسلام عن إغلاق المساجد لمنع ذكر الله فيها من صلاة واعتكاف وتعلم. يقول تعالى : { ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم }. وليس المقصود بإغلاقها في غير أوقات الصلاة والعلم خشية العبث بها والإفساد، فهذا مباح.
ولأجل هذه الأهمية أيضاً أمر الإسلام بتنظيف المساجد من الأقذار، ومن كل ما يؤذي المسلمين ورغب في ذلك كثيراً. ففي الحديث : >أن امرأة سوداء كانت تلتقط القـمامة مـن المسـجد ففـقدها النـبي صلى الله عليه و سلم فسأل عنها بـعد أيام، فقـيل له : إنها ماتت فقال : فهلا أذنتموني فأتى قبرها فصلى عليها< رواه البخاري ومسلم.
ومن الملامح المهمة للمسجد أنه يربي المسلم على الذوق السليم، ففي الحديث الذي يرويه الإمامان البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه و سلم : >ومن أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزل مسجدنا<. والحديث الذي رواه الشيخان عن أنس يقول النبي صلى الله عليه و سلم : >البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها<، الأمر الذي يتضمن ضرورة العناية بالمساجد حفاظاً على قدسيتها، ومراعاة لشعور الآخرين، ولهذه المنزلة للمسجد كان النبي صلى الله عليه و سلم أول ما يقدم من سفر يبدأ بالمسجد فيصلي فيه.
سبل الإفادة من المسجد في وقتنا الحاضر
تبين لنا مما سبق كيف كان المسجد يؤدي أدواره التربوية والاجتماعية، وأنه حينما يأخذ مكانه الطبيعي الذي بني من أجله، وأراده الله له، يصبح من أعظم المؤثرات في نفوس المسلمين، فيقوي لديهم الشعور بالمجتمع المسلم والانتماء له والاعتزاز بجماعة المسلمين.
إن مجالات العمل التي تتم داخل المسجد سوف تعمل بروح المسجد وقيمه وتصطبغ بصبغته، وفيما يلي بعضٌ من المقترحات التي يمكن أن تفيدنا من المسجد في الوقت الحاضر :
ـ ضرورة العناية بالمساجد من حيث انتقاء الدعاة العاملين فيها الذين يدركون عبء الرسالة المنوطة بهم.
ـ إتاحة الفرصة للعديد من المناشط التي يمكن ممارستها من خلال المسجد حتى لا يقتصر دوره على أداء الصلاة فقط، ولاسيما الرسالة التعليمية الجادة.
ـ توفير العائد المادي المناسب للأئمة والدعاة الذي يمكنهم من العطاء دون الانشغال بأعمال أخرى تعوقهم عن الاطلاع وتثقيف أنفسهم.
ـ عقد الدورات التدريبية المتخصصة للأئمة والدعاة كيما يستطيعوا مواكبة مستجدات العصر.
ـ تزويد الأئمة والدعاة بالأساليب التربوية التي تمكنهم من الوقوف على مشكلات المجتمع، ومن ثم كيفية مواجهتها، وإقناع الجمهور بها.
ـ الاستفادة من الأساليب التكنولوجية في المسجد، والتي تمكن من تحقيق أداء رسالته مثل الكمبيوتر وجهاز العرض العلوي والعرض فوق الرأسي.
ـ تنظيم فصول محو الأمية بالمشاركة مع الجهات المختصة.
ـ فتح مشغل لتعليم الفتيات والسيدات يلحق بالمسجد أو على الأقل يدار من خلاله إن تعذرت مجاورته للمسجد.
ـ تنظيم فصول تقوية للطلاب بمختلف مراحل التعليم.
ـ إعطاء الخطيب سلطة حقيقية في إدارة المسجد.
ـ ألا يقتصر تقييم الإمام على الجانب الشكلي فقط.
ـ إنشاء صندوق بالمسجد لتلقي مقترحات وشكاوى الجمهور.
ـ إقامة لجنة لفضّ المنازعات في الحي أو القرية.
ـ إقامة نادي المسلم الصغير بكل حي أو قرية يتبع المسجد.
ـ معايشة خطب المساجد، وذلك من خلال توجيهٍ من الأوقاف، ووضع خطط سير لهم لمؤسسات مجتمعية مثل الأندية والمدارس ومواقع الإنتاج.

زهير
17-11-2009, 09:33 صباحاً
بارك الله فيك يا شيخنا على هذا الموضوع المهم.
ومن سبل الإفادة من المسجد في وقتنا الحاضر زيادة على ما ذكرتَ:
* إنشاء مدرسة قرآنية بكل المساجد، لتعلم القرآن وغيره من العلوم الشرعية، تكون شاملة لجميع فئات المجتمع بدءا من التلاميذ غير المتمدرسين ومرورا بالمتمدرسين ووصولا إلى العمال والمتقاعدين، ولابد من تدعيم الأساتذة المشرفين عليها من الوزارة الوصية، بل وفرض مثل هذا الأمر على كل مسجد من مساجدنا، وهذا للخروج بالشباب وغيرهم من فئات المجتمع من فوهة بركان المفاسد والآفات الاجتماعية.

فوزي
17-11-2009, 07:14 مساء
أستاذنا الفاضل بارك الله فيك وجزاك كل خير لاهتمامك بهذا الموضوع المهم والخطير ، فقد علمنا التاريخ أن نهضة هذه الأمة إنما توضع أسسها في بيوت الله تعالى وما تراجعت هذه الأمة عن دورها الرسالي إلا حينما أعرضت عن بيوت الله وعطلت دورها في الحياة .
واجبنا اليوم أن نعقد دراسات جادة نبحث من خلالها عن سبل استعادة الدور الرسالي لمساجدنا المعطلة عن آداء مهامها الحضارية.
ومما ينبغي الإشارة إليه في هذا الشأن الإنفصام النكد بين مساجدنا وفئة واسعة من شبابنا وشاباتنا ، فالواجب النظر في تدارك هذا الأمر الخطير .
كما أشير أيضا إلى ضعف الخطاب المسجدي و انطباعه بالسطحية والعفوية والإرتجال والشعبوية واستحضار نفس المقولات والأساليب السابقة مما ولد مللا ونفورا لدى المصلين وقد ساهم هذا الوضع في تفويت فرصة استغلال مناسبة الجمعة في توجيه الجموع الغفيرة من الحاضرين وبنائهم فكريا وسلوكيا ، فمن الجرم أن يجمع الله حولنا هذا الجمع الكبير من أبناء الأمة دون أن يكون لنا في ذلك حول ولا قوة ثم لا نملك إلا أن نثير في أنفسهم إلا حالة من النعاس والرغبة في النوم.
أستسمح أستاذي الفاضل فقد وددت أن يكون عنوان المقال ( الدور التربوي والحضاري للمسجد ) فهذا العنوان يجسد كل الأبعاد الرسالية للمسجد ، وبارك الله فيكم.

موسى صاري
20-11-2009, 05:56 مساء
أصبت أخي زهير وأخي فوزي بارك الله فيكما
انقل لكما ما قاله المرحوم مولود قاسم نايت بلقاسم أمام جمع من الأئمة بمناسبة افتتاح معهد الأئمة بمفتاح سنة 1977
قلنا لكم أكثر من مرة أن المسجد كان في الأساس مدرسة كان معهدا تخرج فيه الصحابة في صدر الإسلام وفيه تخرج غيرهم في عهود متتالية و اذا ما نسيتم وجب علينا ان نذكركم بأن الجامع كان جامعة ايضا وإنما أجدادنا كانوا يفضلون صفة المذكر فيقولون الجامع , يعني الجامعة كما يقولون في العصر الحديث , عصر الثأنيت؟
فقد كان الجامع يقوم بدور الجامعة هكذا كان مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ,ومساجد أخرى كالجامع الأموي بدمشق والجامع الأعظم ببغداد وغيرها
كان المسجد دار علم هكذا كان جامع قرطبة بالاندلس كان المسجد جامعا وجامعة كان جامعا يجمع الامة لا للصلاة فقط ولكن للعلم أيضا منقول من مجلة الأصالة سنة 1977 العدد 52

موسى صاري
20-11-2009, 05:59 مساء
أصبت أخي زهير وأخي فوزي بارك الله فيكما
انقل لكما ما قاله المرحوم مولود قاسم نايت بلقاسم أمام جمع من الأئمة بمناسبة افتتاح معهد الأئمة بمفتاح سنة 1977عندماكان وزيرا للشؤون الدينية
قال رحمه الله:
قلنا لكم أكثر من مرة أن المسجد كان في الأساس مدرسة كان معهدا تخرج فيه الصحابة في صدر الإسلام وفيه تخرج غيرهم في عهود متتالية و اذا ما نسيتم وجب علينا ان نذكركم بأن الجامع كان جامعة ايضا وإنما أجدادنا كانوا يفضلون صفة المذكر فيقولون الجامع , يعني الجامعة كما يقولون في العصر الحديث , عصر الثأنيت؟
فقد كان الجامع يقوم بدور الجامعة هكذا كان مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ,ومساجد أخرى كالجامع الأموي بدمشق والجامع الأعظم ببغداد وغيرها
كان المسجد دار علم هكذا كان جامع قرطبة بالاندلس كان المسجد جامعا وجامعة كان جامعا يجمع الامة لا للصلاة فقط ولكن للعلم أيضا منقول من مجلة الأصالة سنة 1977 العدد 52

زهير
23-11-2009, 09:49 مساء
بارك الله فيك اخي فوزي على تللك الالتفاتة الطيبة بالنسبة للعنوان (الدور التربوي والحضاري للمسجد)، وبارك الله فيك شيخنا موسى صاري على نقلك لكلام الراحل مولود قاسم نايت بلقاسم رحمه الله تعالى، فقد ذكرني قوله (وإنما أجدادنا كانوا يفضلون صفة المذكر فيقولون الجامع، يعني الجامعة كما يقولون في العصر الحديث، عصر الثأنيت؟) بكلام أحد مشايخنا الموريتانيين الشيخ محمد سالم ولد عدود رحمه الله رحمة واسعة:( كم رأينا في بلاد السالفينا....من رجال كاسيات ونساء حالقينا)، فهو عصر التمناقضات والعياذ بالله.