موسى صاري
12-11-2009, 06:13 صباحاً
إن واقع المسلمين اليوم تواجهه تحديات كبيرة ومعضلات متعددة، والنوازل الحادثة في المجتمع أكثر من أن تحصى بحيث تحتاج إلى نظر مجتهد حاذق، واجتهاد فقيه متبصر بالواقع المعاش، وهذا لا يتأتى بالبحث في المدونات الفقهية القديمة فقط، من دون استعمال النظر الاجتهادي المتبصر في أحوال وظروف الواقع المعاصر، بل يتطلب الأمر من الفقيه أن يكون عالما بأدوات الاجتهاد، متعمقا في دراسة الظواهر والمستجدات التي تطرأ في مجتمعه، فيكون قادرا على النظر فيها بما يتوافق وقواعد الشريعة الإسلامية.
ولأن الظواهر معقدة، والنوازل عديدة ومتشابكة، فإنه يجدر بنا التعمق في النظر واستثارة تفكيرنا لإيجاد حلول لهذه المعضلات، فإن الأمر يتطلب تدريبا ومدارسة تبدأ من مدارسنا وتنتهي في واقعنا، فالطالب المسلم يجب أن يتدرب على ملكة التفكير المتأمل والناقد، ومن ثمة التفكير الإبداعي لإيجاد حلول لمشكلات مجتمعه وفق مقتضي الشرع.
وهنا وجب الحديث عن أهداف تدريس العلوم الإسلامية، هل هي بغرض معرفة شروط المفسر والمجتهد، أم بغرض معرفة آليات الاجتهاد والقياس، أم بغرض معرفة شروط الطهارة والصلاة فحسب
وهنا لا يمكننا إلقاء اللوم على السابقين من فقهائنا –عليهم رحمة الله- الذين عاشوا زمانهم، واجتهدوا في إيجاد حلول وابتكار طرق إيقاع احكام الشرع في واقع الناس وفق زمانهم ومتغيرات عصرهم، فلا نحاكمهم في زماننا؛ فالخلل لا يكمن في المدونات الفقهية التي واكبت عصورها، وإنما الخلل واقع فينا بمحاكاتنا لطريقة تأليفهم ومعالجتهم لمسائل زمانهم، كما هو شأننا اليوم عند محاكاتنا للمناهج الدراسية الغربية.
وإن المتأمل في واقع الدراسات الإسلامية ومناهجها الدراسية اليوم، ووسائلها التعليمية، ومساقاتها، وموادها المفصلة، يلحظ النزعة التقليدية في انتقاء المواضيع، والطرح والإلقاء والتدريس والتلقي، فينتج عن ذلك اتجاه الطلاب إلى تلقي الدرس بطريقة مملة لا توحي في نفس الطالب إلا بالحفظ في الصدور ثم الحفظ في السطور عند التقويم والامتحان، وبذلك تغيب النزعة الإبداعية والتفكير الناقد الذي يعين على الاستنباط والتحليل والنظر في مستجدات الأمور ونوازلها، ويغيب عن ذهن الطالب المسلم مبادئ الدرس المرتبطة بالغاية الوجودية للإنسان، في تحقيق العبودية لله تبارك وتعالى.
ولذا فإن الواجب هوالبحث عن مواقع القصور فيها؛ لأجل إيجاد بديل يتجه إلى التأسيس للتفكير الإبداعي لدى مدرّسي وطلاب الدراسات الإسلامية، تفعيلا لأدائهم في الدرس، وبغرض مواكبتهم التطورات السريعة الواقعة في مجتمعهم، فلا يعيشون بين المدونات القديمة، بينما يتجه المجتمع بمشكلاته ومستجداته اتجاها بعيدا عن الحكم الشرعي والنظر الفقهي.
إن المطلع على المناهج الدراسية للعلوم الإسلامية خصوصا، والتعليم عموما، يجد أن الأسلوب الغالب في التدريس هو الأسلوب نفسه، يتكرر لعقود من الزمن، ويتكرر في كل جامعة وكل معهد للدراسات الإسلامية، وفي معظم البلاد الإسلامية، وغيرها من بلاد العالم التي تحتوي على هذا النوع من الدراسات. فإن" التعليم عندنا يتمحور حول التلقين والحفظ وشحذ الذاكرة بعيدا عن التفكر والمقارنة والتمييز وتنمية الفكر، تجربتي في التدريس في بلدي الجزائر، وبلدي الثاني ماليزيا، لطلبة متعددي الجنسيات، من المسلمين؛ عربا وعجما، نلحظ أن الأسلوب الغالب في تلقي الطلبة للمعلومات هو أسلوب التلقين والتحفيظ؛ باستعمال نسبي لتخطيط الشجرة عند الشرح، وهذا العيب الأول في طرق التدريس القديمة؛ إذ أن أسلوب تكديس المعلومات في ذهن الطالب هو الغالب والمتفشي بين صفوف المدرسين بما فيهم أساتذة الجامعات، فلا يستعمل الطالب إلا عملية التخزين والتكديس المعلوماتي، ولا يجد وقتا لتشغيل ذهنه حول استيعاب المادة بطريقة منطقية رياضية، وفي النهاية وبعد انتهاء الفصل الدراسي ينسى الطالب تماما ما تلقنه؛ "ذلك أنه من المؤلم والمحزن حقا أن الدراسات الفقهية والشرعية بشكل عام تعاني، لأنها تخرج حفظة وحملة فقه في الأعم الغالب، ولا تخرج فقهاء ... تخرج نقلة يمارسون عملية الشحن والتفريغ والتلقين، ولا تخرج مفكرين ومجتهدين يربون العقل وينمون التفكير.
والذي نأمله الآن أن تتغير منهجية التدريس في مدارس القرن الواحد والعشرين من نمط يقوم على الحفظ والاستظهار إلى نمط مغاير يتأسس على الفهم والتفسير والمقارنة والنقد؛ بغرض تحقيق أهداف الدراسة المذكورة آنفا، من خلال " تشجيع الطلبة على المشاركة في أهداف الدرس والنشاط وبعبارة تشجيعهم على تبني أهداف الدرس والأنشطة العلمية.
ويستتبع هذه الطريقة أن المدرسين يسردون المادة العلمية بطريقة جافة غير حيوية، مفرغة من مقاصدها، التي تعتمد على الأساس الإيماني الذي يشحذ الهمة، ويقوي عزيمة الطالب للبحث وتلقي العلم؛ " لافتقارنا إلى الحافز العلمي في حقيقة أن ما يدرس في معاهدنا هو نوع من المعرفة غير المتسقة مع إيماننا، وحضارتنا، وأسلوب حياتنا)، فالبعد الإيماني لكل درس على حدة، له دلالته القوية على ارتباطه بحاجات الأمة الإسلامية، ناهيك عن تحبيب العلم في نفوس الطلاب، لأجل أن يتكونوا عقليا وعمليا، فيستطيعون الخروج إلى معترك الحياة أفرادا فعالين منتجين.
إن التعليم في البلاد الإسلامية ليس مجرد مناهج دراسية فصلية أو سنوية، يدخل فيها الطالب الامتحان لأجل اجتياز الامتحان، بل لها علاقة وثيقة بنهضة الأمة الإسلامية، من حيث أنها تنظر في احتياجات المسلم ليتفوق حضاريا بدينه وعلمه.
فنحن لا ندرس الفقه المعاصر مثلا؛ لأجل البحث عن حلول لتحديات ومشاكل دخلت إلى عقر دارنا، بل ندرسه لأجل أن يعرف الطالب الطرق الصحيحة لاستنباط الأحكام الشرعية من مظانها ومداركها للوقائع والنوازل، فأكثر المستجدات ليس فيها نص صريح في الدلالة على حكمها، بل يحتاج في ذلك إلى اتباع طرق مميزة ومنسقة لإدراك الحكم الشرعي، حتى وإن لم يكن فيها نص واضح أو محكم.
فبعد أن يلحظ الطالب أن مدرّسه توصل إلى إيجاد الحكم الشرعي للنازلة، بطرق سهلة وسلسة، باستخدامه مثلاً قواعد الشريعة العامة المتمثلة في المقاصد الشرعية، فهذا يعد بدوره تدريبا للطالب على استخدام مقاصد الشريعة في استخراج أحكام لوقائع لا نص فيها، وهنا سيجد الطالب أنه في قرارة نفسه يزداد يقينا بأن شريعة الله هي الشريعة الخالدة، وأنها جاءت ميسرة غير معسرة، وأن الأمة الإسلامية تستطيع بحق أن تكون الأمة المستخلفة في الأرض، والشاهدة على الأمم.
ولكن إذا كان المدرس مجرد ملّقن، لا يستعمل التحليل المنطقي العقلي في درسه، وهنا يكمن العيب الثاني؛ فإن الطالب لن يتفاعل مع المادة التي يتلقاها إلا تثاؤبا أو نقرا ورسما على أوراق بيضاء!! أو بالنظر في ساعته يرجو منها أن تسارع خطاها لتنتهي الحصة! لأنه لا يجد المؤثر والمحفز على التقاط المعلومة بطريق منطقي ومؤثر، يستفزه على الانتباه لمدرِّسه، فلو استعملنا معه أسلوب الإفهام والإقناع بدل التلقي لوجد محفزات التعلم تقوده نحو الإبداع بمبادرته للسؤال والمناقشة.
وعند الامتحان وتقويم الطالب تسترد بضاعة الأستاذ، فيسترجع الطالب كل ما تلقاه بالحرف، بغير زيادة أو نقص. فلا يحلل ولا يناقش، وسبب ذلك أن سؤال الامتحان نفسه يستدعي جوابا محفوظا! وهذا ثالث العيوب وأهمها.
ولأن الظواهر معقدة، والنوازل عديدة ومتشابكة، فإنه يجدر بنا التعمق في النظر واستثارة تفكيرنا لإيجاد حلول لهذه المعضلات، فإن الأمر يتطلب تدريبا ومدارسة تبدأ من مدارسنا وتنتهي في واقعنا، فالطالب المسلم يجب أن يتدرب على ملكة التفكير المتأمل والناقد، ومن ثمة التفكير الإبداعي لإيجاد حلول لمشكلات مجتمعه وفق مقتضي الشرع.
وهنا وجب الحديث عن أهداف تدريس العلوم الإسلامية، هل هي بغرض معرفة شروط المفسر والمجتهد، أم بغرض معرفة آليات الاجتهاد والقياس، أم بغرض معرفة شروط الطهارة والصلاة فحسب
وهنا لا يمكننا إلقاء اللوم على السابقين من فقهائنا –عليهم رحمة الله- الذين عاشوا زمانهم، واجتهدوا في إيجاد حلول وابتكار طرق إيقاع احكام الشرع في واقع الناس وفق زمانهم ومتغيرات عصرهم، فلا نحاكمهم في زماننا؛ فالخلل لا يكمن في المدونات الفقهية التي واكبت عصورها، وإنما الخلل واقع فينا بمحاكاتنا لطريقة تأليفهم ومعالجتهم لمسائل زمانهم، كما هو شأننا اليوم عند محاكاتنا للمناهج الدراسية الغربية.
وإن المتأمل في واقع الدراسات الإسلامية ومناهجها الدراسية اليوم، ووسائلها التعليمية، ومساقاتها، وموادها المفصلة، يلحظ النزعة التقليدية في انتقاء المواضيع، والطرح والإلقاء والتدريس والتلقي، فينتج عن ذلك اتجاه الطلاب إلى تلقي الدرس بطريقة مملة لا توحي في نفس الطالب إلا بالحفظ في الصدور ثم الحفظ في السطور عند التقويم والامتحان، وبذلك تغيب النزعة الإبداعية والتفكير الناقد الذي يعين على الاستنباط والتحليل والنظر في مستجدات الأمور ونوازلها، ويغيب عن ذهن الطالب المسلم مبادئ الدرس المرتبطة بالغاية الوجودية للإنسان، في تحقيق العبودية لله تبارك وتعالى.
ولذا فإن الواجب هوالبحث عن مواقع القصور فيها؛ لأجل إيجاد بديل يتجه إلى التأسيس للتفكير الإبداعي لدى مدرّسي وطلاب الدراسات الإسلامية، تفعيلا لأدائهم في الدرس، وبغرض مواكبتهم التطورات السريعة الواقعة في مجتمعهم، فلا يعيشون بين المدونات القديمة، بينما يتجه المجتمع بمشكلاته ومستجداته اتجاها بعيدا عن الحكم الشرعي والنظر الفقهي.
إن المطلع على المناهج الدراسية للعلوم الإسلامية خصوصا، والتعليم عموما، يجد أن الأسلوب الغالب في التدريس هو الأسلوب نفسه، يتكرر لعقود من الزمن، ويتكرر في كل جامعة وكل معهد للدراسات الإسلامية، وفي معظم البلاد الإسلامية، وغيرها من بلاد العالم التي تحتوي على هذا النوع من الدراسات. فإن" التعليم عندنا يتمحور حول التلقين والحفظ وشحذ الذاكرة بعيدا عن التفكر والمقارنة والتمييز وتنمية الفكر، تجربتي في التدريس في بلدي الجزائر، وبلدي الثاني ماليزيا، لطلبة متعددي الجنسيات، من المسلمين؛ عربا وعجما، نلحظ أن الأسلوب الغالب في تلقي الطلبة للمعلومات هو أسلوب التلقين والتحفيظ؛ باستعمال نسبي لتخطيط الشجرة عند الشرح، وهذا العيب الأول في طرق التدريس القديمة؛ إذ أن أسلوب تكديس المعلومات في ذهن الطالب هو الغالب والمتفشي بين صفوف المدرسين بما فيهم أساتذة الجامعات، فلا يستعمل الطالب إلا عملية التخزين والتكديس المعلوماتي، ولا يجد وقتا لتشغيل ذهنه حول استيعاب المادة بطريقة منطقية رياضية، وفي النهاية وبعد انتهاء الفصل الدراسي ينسى الطالب تماما ما تلقنه؛ "ذلك أنه من المؤلم والمحزن حقا أن الدراسات الفقهية والشرعية بشكل عام تعاني، لأنها تخرج حفظة وحملة فقه في الأعم الغالب، ولا تخرج فقهاء ... تخرج نقلة يمارسون عملية الشحن والتفريغ والتلقين، ولا تخرج مفكرين ومجتهدين يربون العقل وينمون التفكير.
والذي نأمله الآن أن تتغير منهجية التدريس في مدارس القرن الواحد والعشرين من نمط يقوم على الحفظ والاستظهار إلى نمط مغاير يتأسس على الفهم والتفسير والمقارنة والنقد؛ بغرض تحقيق أهداف الدراسة المذكورة آنفا، من خلال " تشجيع الطلبة على المشاركة في أهداف الدرس والنشاط وبعبارة تشجيعهم على تبني أهداف الدرس والأنشطة العلمية.
ويستتبع هذه الطريقة أن المدرسين يسردون المادة العلمية بطريقة جافة غير حيوية، مفرغة من مقاصدها، التي تعتمد على الأساس الإيماني الذي يشحذ الهمة، ويقوي عزيمة الطالب للبحث وتلقي العلم؛ " لافتقارنا إلى الحافز العلمي في حقيقة أن ما يدرس في معاهدنا هو نوع من المعرفة غير المتسقة مع إيماننا، وحضارتنا، وأسلوب حياتنا)، فالبعد الإيماني لكل درس على حدة، له دلالته القوية على ارتباطه بحاجات الأمة الإسلامية، ناهيك عن تحبيب العلم في نفوس الطلاب، لأجل أن يتكونوا عقليا وعمليا، فيستطيعون الخروج إلى معترك الحياة أفرادا فعالين منتجين.
إن التعليم في البلاد الإسلامية ليس مجرد مناهج دراسية فصلية أو سنوية، يدخل فيها الطالب الامتحان لأجل اجتياز الامتحان، بل لها علاقة وثيقة بنهضة الأمة الإسلامية، من حيث أنها تنظر في احتياجات المسلم ليتفوق حضاريا بدينه وعلمه.
فنحن لا ندرس الفقه المعاصر مثلا؛ لأجل البحث عن حلول لتحديات ومشاكل دخلت إلى عقر دارنا، بل ندرسه لأجل أن يعرف الطالب الطرق الصحيحة لاستنباط الأحكام الشرعية من مظانها ومداركها للوقائع والنوازل، فأكثر المستجدات ليس فيها نص صريح في الدلالة على حكمها، بل يحتاج في ذلك إلى اتباع طرق مميزة ومنسقة لإدراك الحكم الشرعي، حتى وإن لم يكن فيها نص واضح أو محكم.
فبعد أن يلحظ الطالب أن مدرّسه توصل إلى إيجاد الحكم الشرعي للنازلة، بطرق سهلة وسلسة، باستخدامه مثلاً قواعد الشريعة العامة المتمثلة في المقاصد الشرعية، فهذا يعد بدوره تدريبا للطالب على استخدام مقاصد الشريعة في استخراج أحكام لوقائع لا نص فيها، وهنا سيجد الطالب أنه في قرارة نفسه يزداد يقينا بأن شريعة الله هي الشريعة الخالدة، وأنها جاءت ميسرة غير معسرة، وأن الأمة الإسلامية تستطيع بحق أن تكون الأمة المستخلفة في الأرض، والشاهدة على الأمم.
ولكن إذا كان المدرس مجرد ملّقن، لا يستعمل التحليل المنطقي العقلي في درسه، وهنا يكمن العيب الثاني؛ فإن الطالب لن يتفاعل مع المادة التي يتلقاها إلا تثاؤبا أو نقرا ورسما على أوراق بيضاء!! أو بالنظر في ساعته يرجو منها أن تسارع خطاها لتنتهي الحصة! لأنه لا يجد المؤثر والمحفز على التقاط المعلومة بطريق منطقي ومؤثر، يستفزه على الانتباه لمدرِّسه، فلو استعملنا معه أسلوب الإفهام والإقناع بدل التلقي لوجد محفزات التعلم تقوده نحو الإبداع بمبادرته للسؤال والمناقشة.
وعند الامتحان وتقويم الطالب تسترد بضاعة الأستاذ، فيسترجع الطالب كل ما تلقاه بالحرف، بغير زيادة أو نقص. فلا يحلل ولا يناقش، وسبب ذلك أن سؤال الامتحان نفسه يستدعي جوابا محفوظا! وهذا ثالث العيوب وأهمها.