طالبة الجنان
09-08-2010, 03:39 مساء
شرح متن الآجرومية في علم اللغة العربية
ترجمة موجزة للشارح
هو أبو العباس أحمد بن السيد زيني دحلان (1) المكي , مفتي الشافعية بمكة المكرمة , العلامة المشهور , من طار ذكره في الأقطار واشتهر فضله في الأمصار .
ولد سنة 1232هـ ،أخذ العـلوم الشرعية عن أفاضل وأكابر من مكيين ويمنيـين ودمشـقيين ومصريين وخلق كثير،حتى ولي إفتاء الشافعية بمكة وكان ملازما لتدريس الحديث بالخصوص.
كان رحمه الله لطيف المعاشرة ،حسن المسايرة ،سار في منهج العلم والأدب من صغره ، يحبه الخاص والعام ،والأهالي والحكام ،حتى بلغ أنه صار رئيس علماء الحجاز ، ومقدمتهم في الحقيقة والمجاز.
له كتابات حسنة ، وتأليفات مستحسنة نذكر منها على وجه الإيجاز :
• السيرة النبوية ، طبعت مراراً.
• ثبت في مروياته.
• تاريخ طبقات العلماء نرتبهم بترتيب عجيب جمع الشافعية على حدتهم، والحنفية على حدتهم , وهكذا بقية المذاهب.
• شرح الآجرومية ،وهو هذا الكتاب الذي بين أيدينا ،وقد ألفه وهو في الطائف عند مسجد سيدنا عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما سنة 1291هـ.
• الجداول المرضية في تاريخ الدولة الإسلامية .
•شرح على ألفية ابن مالك في النحو.
توفي رحمه الله تعالى في المحرم سنة أربع وثلاثمائة وألف 1304هـ ، ودفن في البلد الحرام ، في مقبرة المعلى.
وقد أفرد ترجمته بالتأليف تلميذه السيد أبو بكر شطا الدمياطي المكي برسالة مطبوعة سماها "نفحة الرحمن في مناقب شيخنا سيدي أحمد دحلان".
(1) انظر ترجمته في حلية البشر 1/181_183 ، فهرس الفهارس 1/390_392ترجمة موجزة لصاحب الأجرومية
هو محمد بن محمد بن داود الصّنهاجي (1). أبو عبد الله النحوي المشهور بابن أجُرّوم، ومعناه بلغة البربر "الفقير الصوفي"، صاحب المقدمة المشهورة بالأجرومية، وصفه شُراح مقدمته كالمكوديّ والراعي وغيرهما بالإمامة في النحو، والبركة والصلاح، ويشهد بصلاحه عموم نفع المبتدئين بمقدمته.
ولد سنة 672هـ ، وصنهاجة قبيلة في المغرب، حلاه العلماء بالنحوي المقرئ، وله معلومات من فرائض وحساب وأدب بارع، وله مصنفات وأراجيز في القراءات وغيرها.
توفي رحمه الله سنة 723 هـ في شهر صفر الخير، ودفن داخل باب الحديد بمدينة فاس ببلاد المغرب.
قال الكفراوي في حاشيته:
حكي أنه ألّف هذا المتن تجاه البيت الشريف، وحكي أيضًا أنه لما ألفه ألقاه في البحر وقال: "إن كان خالصًا لله تعالى فلا يبلّ" وكان الأمر كذلك.
فاٍن من عادة العلماء السابقين الاعتناء بعلم النحو ، وكانوا يتقنونه ويعلمونه لطلبة العلم الدينيّ ، وذلك لما له من النفع العظيم في فهم معاني كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.
وها هي جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية تطلّ بأول مطبوعاتها في النحو وهو شرح الآجرومية للشيخ أحمد بن زيني دحلان رحمه الله تعالى ، راجية من المولى عز وجل أن ينتفع بها وجزيل الثواب.
نقــــــول:
ينبغي لكل شارع في فن أن يتصوره ويعرفه قبل الشروع فيه ليكون على بصيرة فيه، ويحصلُ التصوّر بمعرفة المبادئ العشرة المنظومة في قول بعضهم :[رجز]
إن مبادئ كلّ فن عَشره ~الحدّ والموضوع ثم الثَّمرهْْ
وفضله ونسبةُ والواضع ~والاسم الاستمداد حكم الشارع
مسائلٌ (1) والبعضُ بالبعضِ اكتفى ~ ومن درى الجميع حاز الشرفا
والنحو حدّه : علم بقواعدَ يعرف بها أحكام الكلمات العربية حال تركيبها من الإعراب والبناء وما يتبعها من شروط النواسخ وحذف العائد .
وموضوعه :
الكلمات العربية من حيث البحث عن أحوالها .
وغايته وفائدته : التحرزُ عن الخطأ والاستعانة على فهم كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.وشرفه : بشرف فائدته .
واستمداده : من كلام العرب.
وفضله : فوقانه على سائر العلوم بالنسبة والاعتبار.
ومسائله: قواعده كقولك الفاعل مرفوع .
وواضعه : أبو الأسود الدؤلي من التابعين بأمر من الإمام علي كرم الله وجهه.
ونسبته لباقي العلوم: التباين.
واسمه: علم النحو وعلم العربية.
وحكم الشارع فيه : وجوبه الكفائيّ على أهل كلّ ناحية ، والعيني على قارئ التفسير والحديث.
وحكي في سبب وضع أبي الأسود الدؤلي وضعه لهذا الفن أنه كان ليلة على سطح بيته وعنده بنته ، فرأت السماء ونجومها وحسن تلألؤ أنوارها مع وجود الظلمة فقالت :يا أبت "ما أحسنُ السماءٍ "ــ بضم النون وكسر الهمزة ــ فقال :أي بنية نجومها ، وظنّ أنها أرادت أي شئ أحسن منها ، فقالت : يا أبتِ ما أردت هذا إنما أردت التعجب من حسنها ، فقال : قولي : ما أحسنَ السماءَ وافتحي فاك ، فلما أصبح غدا على سيدنا علي كرم الله وجهه وقال : يا أمير المؤمنين حدث في أولادنا ما لم نعرفه وأخبره بالقصة فقال هذا بمخالطة العجم العرب ، ثم أمره فاشترى صحيفة وأملى عليه بعد أيام أقسام الكلام ثلاثة : اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ، وجملة من باب التعجب وقال : انح نحو هذا ، فلذلك سمي بعلم النحو .
ثم قال تتبعه يا أبا الأسود وزد عليه ما وقع لك ، واعلم يا أبا الأسود أن الأشياء ثلاثة : ظاهر ومضمر وشئ ليس بظاهر ولا مضمر ،إنما تتفاضل الناس في معرفة ما ليس بظاهر ولا مضمر . قال أبو الأسود : فجمعت منها أشياءَ وعرضتها عليه فكان من ذلك حروف النصب ، فكان منها : إن وأن وليت ولعل وكأنّ ، ولم أذكر لكنّ فقال لي : لم تركتها ، فقلت : لم أحسبها منها ، فقال : بل هي منها فزدها .
ثم سمع أبو الأسود رجلاً يقرأ: (أن الله برئ من المشركين ورسولُه ) بالجر ، فوضع باب العطف والنعت.
وأخرج المرهبي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : مرّ عمر بقوم قد رموا رشقاً فأخطئوه ، فقال : ما أسوأ رميكم ، فقالوا : نحن متعلمين ، فقال : لحنكم أشد عليّ من رميكم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " رحم الله امرءاً أصلح من لسانه " حديث ضعيف.
قال الجلال السيوطي في شرح ألفيته : وقد اتفق العلماء على أن النحو يحتاج إليه في كلّ فن من فنون العلم لاسيما التفسير والحديث ، فإنه لا يجوز لأحد أن يتكلم في كتاب الله حتى يكون ملماً بالعربية ، لأن القرءان عربي ولا تفهم مقاصده إلا بمعرفة قواعد العربية ، وكذا الحديث .
قال ابن الصلاح : ينبغي للمحدث أن لا يروي حديثه بقراءة لحان.
وهنا بيان في تعريف بعض المصطلحات النحوية ليتصورها طالب العلم قبل البدء بقراءة الشرح
فنقــــول:
•الفاعل : من قام به الفعل ولا يكون إلا مرفوعاً، نحو :قام زيدٌ.
•والمفعول : من وقع عليه الفعل ولا يكون إلا منصوباً، نحو ضربت زيداً.
•ونائب الفاعل: هو المفعول الذي أقيم مقام الفاعل بعد حذفه ولا يكون إلا مرفوعاً ، نحو : صُرب زيدٌ و يُضْرَبُ عَمْروٌ .
•والمضاف والمضاف إليه : كل اسمين بينهما نسبة جزئية ، نحو : غُلَاُمُ زيدٍ.الغلام منسوب لزيد فسمي الأول مضافاً والثاني مضافاً إليه ، والمضاف يكون إعرابه بحسب العوامل التي قبله ، والمضاف إليه لا يكون إلا مجروراً.
•وظرف الزمان : هو اسم الزمان الذي يقع فيه الحدث ، نحو: صُمتُ يَوْمَ الخَميسِ . وظرف المكان : هو اسم المكان الذي يقع فيه الحدث ، نحو جَلَستُ أمَامَ الَّشيخِ ، وكلٌ من ظرف الزمان والمكان لا يكون إلا منصوبا .
•والحال : هو الاسم الذي يبين هيئة الذات وقت الفعل ، نحو : جَاءَ زَيدٌ راكباً ، ولا يكون إلا منصوباً.
•والتمييز : هو الاسم المبين ما انبهم من الذوات، أو النسب نحو : عِندي رِطْلٌ زَيْتاً، و :طاب محمد نفساً, ولا يكون إلا منصوباً .
•والمفعول لأجله : هو الاسم الذي فُعل الفعل لأجله، ولا يكون إلا منصوباً نحو قُمْتُ إجْلالاً لزَيْدٍ ..
•والمفعول معه : هو الاسم المقترن بواو المعية ، وفُعِل الفعل معه ، نحو : جَاءَ الأميرُ والجيشَ , أي مع الجيشِ , ولا يكون إلا منصوباً.
•والمثنى : ما دلّ على اثنين بزيادة ألف ونون رفعاً وياءٍ ونون نصباً وجراً، نحو : جاء الزَّيْدَانٍ ، وَرَأيْتُ الزَّيْديْنِ ومَرَرْتُ بالزَّيْديْنِ .
•وجمع المذكر السالم : ما دلّ على جمعٍ بواو ونون في آخره في حالة الرفع وياء ونون في حالتي النصب والجر، نحو :جاء الزّيدُونَ وَرَأيْتُ الزّيْدِِينَ وَمَرَرْتُ بالزّيْدَيْنِ .
والفرق بين المثنى والجمع في حالتي النصب والجر أن ياء المثنى مفتوح ما قبلها مكسور ما بعدها ، وياء الجمع مكسور ما قبلها مفتوح ما بعدها .
•والمعرب : ما تغير ءاخره بسبب اختلاف العوامل ، نحو زَيْدٌ ورَجُلٌ .
•والمبنيّ: ما لزمَ حالة واحدة : كأيْنَ وأمْسِ وحيثُ وكمْ.
باب الكلام:
الكلامُ هُوَ: اللَّفْظُ المُرَكَبُ المفيدُ بالوضْعِ، وأقسامُهُ ثلاثةٌ: اسمٌ وفعلٌ وحرفٌ جاء لمعنى.
(اللَّفْظُ المُرَكَبُ المفيدُ بالوضْع) يعني أن الكلام عند النحويين هو اللفظ إلى ءاخره , فاللفظ هو الصوت المشتمل على بعض الحروف الهجائية كزيد , فإنه صوت اشتمل على الزاي والياء والدال , فإن لم يشتمل على بعض الحروف كصوت الطبل فلا يسمى لفظاً , فخرج باللفظ ما كان مفيدا ولم يكن لفظا كالإشارة والكتابة والعقد والنصب فلا تسمى كلاما عند النحاة . والمركب ما تركب من كلمتين فأكثر , كقام زيد وزيد قائم , والمثال الأول فعل وفاعل وكل فاعل مرفوع , والمثال الثاني مبتدأ وخبر وكل مبتدأ مرفوع بالابتداء وكل خبر مرفوع بالمبتدأ , وخرج بالمركب المفرد كزيد فلا يقال له كلام أيضا عند النحاة .
والمفيد ما أفاد فائدة يحسن السكوت عليها من المتكلم والسامع كقام زيد وزيد قائم , فإن كلا منهما أفاد فائدة يحسن السكوت عليها من المتكلم والسامع وهي الإخبار بقيام زيد , فإن السامع إذا سمع ذلك لا ينتظر شيئاً ءاخر يتوقف عليه تمام الكلام , ويحسن أيضا سكوت المتكلم , وخرج بالمفيد المركب غير المفيد نحو غلامُ زيد من غير إسناد شىء إليه , وإن قام زيد , فإن تمام الفائدة فيه يتوقف على ذكر جواب الشرط فلا يسمى كلٌ من المثالين كلاما عند النحاة . وقوله (بالوضع) فسره بعضهم بالقصد , فخرج غير المقصود ككلام النائم والساهي فلا يسمى كلاماً عند النحاة , وبعضهم فسره بالوضع العربي فخرج كلام العجم كالترك والبربر فلا يسمى كلاما عند النحاة . مثال ما اجتمع فيه القيود الأربعة : قام زيد وزيد قائم , فالمثال الأول فعل وفاعل والثاني مبتدأ وخبر و وكل من المثالين لفظ مركب مفيد بالوضع فهو كلام . (أقسامُهُ ثلاثةٌ: اسمٌ وفعلٌ وحرفٌ)
يعني أن أجزاء الكلام التي يتألف منها ثلاثة أقسام :
الأول الاسم وهو كلمة دلت على معنى في نفسها ولم تقترن بزمن وضعاً كزيد وأنا وهذا .
الثاني الفعل وهو كلمة دلت على معنى في نفسها واقترنت بزمن وضعاً , فإن دلت تلك الكلمة على زمن ماض فهي الفعل الماضي نحو : قام , وإن دلت على زمن يحتمل الحال والاستقبال فهي الفعل المضارع نحو : يقوم , وإن دلت على طلب شىء في المستقبل وهي فعل الأمر نحو قُمْ , الثالث الحرف وهو كلمة دلت على معنى في غيرها نحو إلى وهل ولم .
وقوله (جاء لمعنى) يعني به أن الحرف لا يكون له دخل في تأليف الكلام إلا إذا كان له معنى ـ كهل ولم ـ ،فإنّ هل معناها الاستفهام ولم معناها النفي ، فإن لم يكن له معنى لا يدخل في تركيب الكلام كحروف المباني نحو : زايُ زيد ويائُه ودالُه ، فإنّ كلاً منها حرف مبني لا حرف معنى.
فالاسم يعرف بالخفض ، والتنوين ، ودخول الألف واللام وحروف الخفض.
وَهِيَ : مِنْ وإِلَى وَفِي وَرُبّ وَالْبَاءُ والْكَافُ وَالَّلامُ ، وَحُرُوفُ الْقَسَمِ وَهِيَ الْوَاوُ وَالْبَاءُ وَالتَّاءُ.
(فالاسم يعرف بالخفض والتنوين ودخول الألف وللام وحروف الخفض) ، يعني أن الاسم يتميز عن الفعل والحرف بالخفض نحو : مررت بزيد وغلام زيد ، فزيد المجرور بالباء وغلام اسمان لوجود الخفض ؛ والتنوين نحو : زيد ورجل ، فزيد ورجل كل منها اسم لوجود التنوين فيه ، والتنوين نون ساكنة تلحق الآخر لفظاً لا خطاً؛
ودخول الألف واللام نحو : الرجل والغلام ، فكل منهما اسم لدخول " أل " عليهما ؛ وحروف الخفض نحو : مررت بزيد ورجل ، فكلٌ منهما اسم لدخول حرف الخفض وهي الباء عليهما .
ثم ذكر جملة من حروف الخفض فقال: (وهي : من وإلى) نحو : سِرتُ من البصرةِ إلى الكُوفةِ ، فكل من البصرة والكوفة اسم لدخول من على الأول وإلى على الثاني ، (وعن) نحو : رميت السهم عن القوس ، فالقوس اسم لدخول عن عليه ،(وعلى) نحو : ركبت على الفرس ، فالفرس اسم لدخول على عليه، (وفي) نحو: الماء في الكوز ، فالكوز اسم لدخول في عليه ، (ورب) نحو : رُبّ رجلٍ كريمٍ لقَيْتَهُ ، فرجل اسم لدخول ربّ عليه، (والباء) نحو : مررتُ بزيدٍ ، فزيد اسم لدخول الباء عليه، (والكاف) نحو : زيدٌ كالبدرِ ، فالبدر اسم لدخول الكاف عليه ،(واللام ) نحو : المالُ لزيدٍ ، فزيد اسم لدخول اللام عليه ،(وحروف القسم) وهي من جملة حروف الخفض واستعملت في القسم (وهي : الواو والباء والتاء) نحو : والله وبالله وتالله ، فلفظ الجلالة اسم لدخول حروف القسم عليه .
والْفِعْلُ يُعْرَفُ ِبِقَدْ والِّسينْ وسَوْفَ وَتَاءِ التَّأنِيثِ السَّاكِنَةِ والْحَرْفُ مَا لا يَصْلُحُ مَعَهُ دَلِيلُ الاسْمِ ولا دَلِيلُ الْفِعْلِ.
(والفعل يعرف بقد والسين وسوف وتاء التأنيث الساكنة)
يعني أن الفعل يتميز عن الاسم والحرف بدخول قد عليه ، وتدخل على الماضي نحو : قد قامَ زيدٌ ، وعلى المضارع ، نحو : قد يقومُ زيدٌ ، فكل من قام ويقوم فعل لدخول قد عليه ، والسين وسوف يختصَّان بالمضارع نحو : سيقومُ زيدٌ وسوف يقومُ زيدٌ ، فيقوم فعلٌ مضارعٌ لدخول السين وسوف عليه ، وتاء التأنيث الساكنة تختص بالماضي نحو : قَامَتْ هِندٌ فقام فعل ماضٍ للحوق التَّاءِ له .
(والحرف ما لا يصلح معه دليل الاسم ولا دليل الفعل)
يعني أن الحرف يتميز عن الاسم والفعل بان لا يقبل شيئاً من علاماتِ الاسم ولا شيئاً من علامات الفعل كهَل وفي ولم ، فإنَّها لا تقبل شيئاً من ذلك ، فعلامتُهُ عدم قبول العلامات التي للاسم والفعل ، قال العلامة الحريري في ملحة الإعراب :
والحرف ما ليْست له علامهْ ~ فَقِسْ على قولي تَكُن علَّامَهْ
أي ما لَيْست له علامة موجودة بل علامته عدمية ، نظير ذلك الجيم والخاء والحاء ، فالجيم علامتها نقطة من أسفلها والخاء علامتها نقطة من أعلاها والحاء علامتها عدم وجود نقطة من أسفلها وأعلاها .
باب الإعراب
الإِعْرَابُ هُوَ تَغْيِيرْ أَوَاخِرِ الْكَلِمِ ، لاخْتِلافِ الْعَوَامِلِ الَّداخِلَةِ عَلَيْهَا لَفْظَاً أَوْ تَقْدِيرَاً. وأَقْسَامُهُ أَرْبَعَةٌ :
رَفْعٌ وَنَصْبٌ وَخَفْضٌ وَجَزْمٌ.فَلِلأسْمَاءِ مِنْ ذَلِكَ : الرَّفعُ وَالنَّصْبُ وَالخَفْضَ وَلا جَزْم ِفيهَا ، وَلِلأَفْعَالِ مِنْ ذَلِكَ : اْلرَّفْعُ وَالَّنصْبُ وَالْجَزْمُ ولا خَفْضَ فِيهَا.
(الإعراب هو تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها لفظاً أو تقديرا)
يعني أن الإعراب هو تغيير أواخر الكلم بسبب دخول العوامل المختلفة وذلك نحو : زيد ، فإنه قبل دخول العوامل موقوف وليس معرباً ولا مبنيَّاً ولا مرفوعا ولا غيره ،فإذا دخل عليه العامل فإن كان يطلبُ الرَّفعّ رّفِعَ نحو: جاء زيْدٌ فإنه فعل يطلب فاعلاً والفاعل مرفوع فيكون زيد مرفوعاً بجاء على أنه فاعله، وإن كان العامل يطلب النصبَ نُصب ما بعده نحو : رأيتُ زيداً ، فإنّ رأيت فعل والتاء فاعله وزيداً مفعوله والمفعول منصوب ، وإن كان يطلبُ الجَرَّ جُرَّ ما بعده نحو الباء في نحو : مررتُ بزيدٍ فزيدٍ مجرور بالباء. فتغيُّرُ الآخر من رفعٍ إلى نصبٍ أو جر هو الإعراب ، وسببه دخول العوامل .
وقوله (لفظاً أو تقديراً)
يعني به أن الآخر يتغير لفظاً كما رأيته في الأمثلة المذكورة ، أو تقديراً كما في الاسم الّذي ءاخره ألف نحو : الفتى أو ياء نحو : القاضي ، فإنّ الألف اللينة يتعذر تحريكها فيقدر فيها الإعراب للتعذر ، نحو جاءَ الفتى ، فالفتى فاعل مرفوع بضمة مقدرة على الألف اللينة منع من ظهورها التعذر ، ورأيتُ الفتى ، فالفتى مفعول به منصوب بفتحة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر ؛ ونحو : جاء القاضي فالقاضي فاعل مرفوع بضمة مقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل ، وأما في حالة النصب فتظهر الفتحة على الياء للخفة نحو : رأيتُ القاضي فالقاضي مفعول به منصوب بفتحة ظاهرة ؛ فالفرق بين ما ءاخره ألف أو ياء أن ما ءاخره ألف يتعذر إظهاره وإعرابه رفعاً ونصباً وجراً وما ءاخره ياء لا يتعذر ولكنه يستثقل رفعاً وجراً.
(وأقسامه أربعة رفع ونصب وخفض وجزم)
يعني أن أقسام الإعراب أربعة :
رفع نحو : يضرب زيد ، ونصب نحو : لن أضرب عمرَ ، وخفض نحو : مررت بزيد ، وجزم نحو : لم أضربْ زيداً ؛ فزيد في الأول مرفوع بيضرب على أنه فاعله ، وأضرب في الثاني فعل مضارع منصوب بلن ، وعمرَ منصوب بأضرب على أنه مفعوله ، وزيد في الثالث مجرور بالباء ، وأضرب في الرابع فعل مضارع مجزوم بلم .ولن : تسمى حرف نفي ونصب واستقبال لأنها تنفي الفعل وتنصبُهُ وتصيره مستقبلاً ، ولم : تسمى حرف نفي وجزم وقلب لأنها تنفي الفعل وتجزمه وتقلب معناه فيصير ماضياً.
(فللأسماء من ذلك الرفع والنصب والخفض ولا جزم فيها)
يعني أن الأسماء يدخلها الرفع نحو : جاء زيد ، والنصب نحو : رأيتُ زيداً ، والخفض نحو : مررتُ بزيدٍ ، ولا يدخلها الجزمُ.(وللأفعال من ذلك الرفع والنصب والجزم ولا خفض فيها) يعني أن الأفعال يدخلها الرفع نحو : يضرب، والنصب نحو : لن أضربً ، والجزم نحو : لم أضربْ ، ولا يدخلها الخفض ؛ فالرفع والنصب يشترك فيهما الاسم والفعل ، ويختص الاسم بالخفض والفعل بالجزم .
ترجمة موجزة للشارح
هو أبو العباس أحمد بن السيد زيني دحلان (1) المكي , مفتي الشافعية بمكة المكرمة , العلامة المشهور , من طار ذكره في الأقطار واشتهر فضله في الأمصار .
ولد سنة 1232هـ ،أخذ العـلوم الشرعية عن أفاضل وأكابر من مكيين ويمنيـين ودمشـقيين ومصريين وخلق كثير،حتى ولي إفتاء الشافعية بمكة وكان ملازما لتدريس الحديث بالخصوص.
كان رحمه الله لطيف المعاشرة ،حسن المسايرة ،سار في منهج العلم والأدب من صغره ، يحبه الخاص والعام ،والأهالي والحكام ،حتى بلغ أنه صار رئيس علماء الحجاز ، ومقدمتهم في الحقيقة والمجاز.
له كتابات حسنة ، وتأليفات مستحسنة نذكر منها على وجه الإيجاز :
• السيرة النبوية ، طبعت مراراً.
• ثبت في مروياته.
• تاريخ طبقات العلماء نرتبهم بترتيب عجيب جمع الشافعية على حدتهم، والحنفية على حدتهم , وهكذا بقية المذاهب.
• شرح الآجرومية ،وهو هذا الكتاب الذي بين أيدينا ،وقد ألفه وهو في الطائف عند مسجد سيدنا عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما سنة 1291هـ.
• الجداول المرضية في تاريخ الدولة الإسلامية .
•شرح على ألفية ابن مالك في النحو.
توفي رحمه الله تعالى في المحرم سنة أربع وثلاثمائة وألف 1304هـ ، ودفن في البلد الحرام ، في مقبرة المعلى.
وقد أفرد ترجمته بالتأليف تلميذه السيد أبو بكر شطا الدمياطي المكي برسالة مطبوعة سماها "نفحة الرحمن في مناقب شيخنا سيدي أحمد دحلان".
(1) انظر ترجمته في حلية البشر 1/181_183 ، فهرس الفهارس 1/390_392ترجمة موجزة لصاحب الأجرومية
هو محمد بن محمد بن داود الصّنهاجي (1). أبو عبد الله النحوي المشهور بابن أجُرّوم، ومعناه بلغة البربر "الفقير الصوفي"، صاحب المقدمة المشهورة بالأجرومية، وصفه شُراح مقدمته كالمكوديّ والراعي وغيرهما بالإمامة في النحو، والبركة والصلاح، ويشهد بصلاحه عموم نفع المبتدئين بمقدمته.
ولد سنة 672هـ ، وصنهاجة قبيلة في المغرب، حلاه العلماء بالنحوي المقرئ، وله معلومات من فرائض وحساب وأدب بارع، وله مصنفات وأراجيز في القراءات وغيرها.
توفي رحمه الله سنة 723 هـ في شهر صفر الخير، ودفن داخل باب الحديد بمدينة فاس ببلاد المغرب.
قال الكفراوي في حاشيته:
حكي أنه ألّف هذا المتن تجاه البيت الشريف، وحكي أيضًا أنه لما ألفه ألقاه في البحر وقال: "إن كان خالصًا لله تعالى فلا يبلّ" وكان الأمر كذلك.
فاٍن من عادة العلماء السابقين الاعتناء بعلم النحو ، وكانوا يتقنونه ويعلمونه لطلبة العلم الدينيّ ، وذلك لما له من النفع العظيم في فهم معاني كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.
وها هي جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية تطلّ بأول مطبوعاتها في النحو وهو شرح الآجرومية للشيخ أحمد بن زيني دحلان رحمه الله تعالى ، راجية من المولى عز وجل أن ينتفع بها وجزيل الثواب.
نقــــــول:
ينبغي لكل شارع في فن أن يتصوره ويعرفه قبل الشروع فيه ليكون على بصيرة فيه، ويحصلُ التصوّر بمعرفة المبادئ العشرة المنظومة في قول بعضهم :[رجز]
إن مبادئ كلّ فن عَشره ~الحدّ والموضوع ثم الثَّمرهْْ
وفضله ونسبةُ والواضع ~والاسم الاستمداد حكم الشارع
مسائلٌ (1) والبعضُ بالبعضِ اكتفى ~ ومن درى الجميع حاز الشرفا
والنحو حدّه : علم بقواعدَ يعرف بها أحكام الكلمات العربية حال تركيبها من الإعراب والبناء وما يتبعها من شروط النواسخ وحذف العائد .
وموضوعه :
الكلمات العربية من حيث البحث عن أحوالها .
وغايته وفائدته : التحرزُ عن الخطأ والاستعانة على فهم كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.وشرفه : بشرف فائدته .
واستمداده : من كلام العرب.
وفضله : فوقانه على سائر العلوم بالنسبة والاعتبار.
ومسائله: قواعده كقولك الفاعل مرفوع .
وواضعه : أبو الأسود الدؤلي من التابعين بأمر من الإمام علي كرم الله وجهه.
ونسبته لباقي العلوم: التباين.
واسمه: علم النحو وعلم العربية.
وحكم الشارع فيه : وجوبه الكفائيّ على أهل كلّ ناحية ، والعيني على قارئ التفسير والحديث.
وحكي في سبب وضع أبي الأسود الدؤلي وضعه لهذا الفن أنه كان ليلة على سطح بيته وعنده بنته ، فرأت السماء ونجومها وحسن تلألؤ أنوارها مع وجود الظلمة فقالت :يا أبت "ما أحسنُ السماءٍ "ــ بضم النون وكسر الهمزة ــ فقال :أي بنية نجومها ، وظنّ أنها أرادت أي شئ أحسن منها ، فقالت : يا أبتِ ما أردت هذا إنما أردت التعجب من حسنها ، فقال : قولي : ما أحسنَ السماءَ وافتحي فاك ، فلما أصبح غدا على سيدنا علي كرم الله وجهه وقال : يا أمير المؤمنين حدث في أولادنا ما لم نعرفه وأخبره بالقصة فقال هذا بمخالطة العجم العرب ، ثم أمره فاشترى صحيفة وأملى عليه بعد أيام أقسام الكلام ثلاثة : اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ، وجملة من باب التعجب وقال : انح نحو هذا ، فلذلك سمي بعلم النحو .
ثم قال تتبعه يا أبا الأسود وزد عليه ما وقع لك ، واعلم يا أبا الأسود أن الأشياء ثلاثة : ظاهر ومضمر وشئ ليس بظاهر ولا مضمر ،إنما تتفاضل الناس في معرفة ما ليس بظاهر ولا مضمر . قال أبو الأسود : فجمعت منها أشياءَ وعرضتها عليه فكان من ذلك حروف النصب ، فكان منها : إن وأن وليت ولعل وكأنّ ، ولم أذكر لكنّ فقال لي : لم تركتها ، فقلت : لم أحسبها منها ، فقال : بل هي منها فزدها .
ثم سمع أبو الأسود رجلاً يقرأ: (أن الله برئ من المشركين ورسولُه ) بالجر ، فوضع باب العطف والنعت.
وأخرج المرهبي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : مرّ عمر بقوم قد رموا رشقاً فأخطئوه ، فقال : ما أسوأ رميكم ، فقالوا : نحن متعلمين ، فقال : لحنكم أشد عليّ من رميكم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " رحم الله امرءاً أصلح من لسانه " حديث ضعيف.
قال الجلال السيوطي في شرح ألفيته : وقد اتفق العلماء على أن النحو يحتاج إليه في كلّ فن من فنون العلم لاسيما التفسير والحديث ، فإنه لا يجوز لأحد أن يتكلم في كتاب الله حتى يكون ملماً بالعربية ، لأن القرءان عربي ولا تفهم مقاصده إلا بمعرفة قواعد العربية ، وكذا الحديث .
قال ابن الصلاح : ينبغي للمحدث أن لا يروي حديثه بقراءة لحان.
وهنا بيان في تعريف بعض المصطلحات النحوية ليتصورها طالب العلم قبل البدء بقراءة الشرح
فنقــــول:
•الفاعل : من قام به الفعل ولا يكون إلا مرفوعاً، نحو :قام زيدٌ.
•والمفعول : من وقع عليه الفعل ولا يكون إلا منصوباً، نحو ضربت زيداً.
•ونائب الفاعل: هو المفعول الذي أقيم مقام الفاعل بعد حذفه ولا يكون إلا مرفوعاً ، نحو : صُرب زيدٌ و يُضْرَبُ عَمْروٌ .
•والمضاف والمضاف إليه : كل اسمين بينهما نسبة جزئية ، نحو : غُلَاُمُ زيدٍ.الغلام منسوب لزيد فسمي الأول مضافاً والثاني مضافاً إليه ، والمضاف يكون إعرابه بحسب العوامل التي قبله ، والمضاف إليه لا يكون إلا مجروراً.
•وظرف الزمان : هو اسم الزمان الذي يقع فيه الحدث ، نحو: صُمتُ يَوْمَ الخَميسِ . وظرف المكان : هو اسم المكان الذي يقع فيه الحدث ، نحو جَلَستُ أمَامَ الَّشيخِ ، وكلٌ من ظرف الزمان والمكان لا يكون إلا منصوبا .
•والحال : هو الاسم الذي يبين هيئة الذات وقت الفعل ، نحو : جَاءَ زَيدٌ راكباً ، ولا يكون إلا منصوباً.
•والتمييز : هو الاسم المبين ما انبهم من الذوات، أو النسب نحو : عِندي رِطْلٌ زَيْتاً، و :طاب محمد نفساً, ولا يكون إلا منصوباً .
•والمفعول لأجله : هو الاسم الذي فُعل الفعل لأجله، ولا يكون إلا منصوباً نحو قُمْتُ إجْلالاً لزَيْدٍ ..
•والمفعول معه : هو الاسم المقترن بواو المعية ، وفُعِل الفعل معه ، نحو : جَاءَ الأميرُ والجيشَ , أي مع الجيشِ , ولا يكون إلا منصوباً.
•والمثنى : ما دلّ على اثنين بزيادة ألف ونون رفعاً وياءٍ ونون نصباً وجراً، نحو : جاء الزَّيْدَانٍ ، وَرَأيْتُ الزَّيْديْنِ ومَرَرْتُ بالزَّيْديْنِ .
•وجمع المذكر السالم : ما دلّ على جمعٍ بواو ونون في آخره في حالة الرفع وياء ونون في حالتي النصب والجر، نحو :جاء الزّيدُونَ وَرَأيْتُ الزّيْدِِينَ وَمَرَرْتُ بالزّيْدَيْنِ .
والفرق بين المثنى والجمع في حالتي النصب والجر أن ياء المثنى مفتوح ما قبلها مكسور ما بعدها ، وياء الجمع مكسور ما قبلها مفتوح ما بعدها .
•والمعرب : ما تغير ءاخره بسبب اختلاف العوامل ، نحو زَيْدٌ ورَجُلٌ .
•والمبنيّ: ما لزمَ حالة واحدة : كأيْنَ وأمْسِ وحيثُ وكمْ.
باب الكلام:
الكلامُ هُوَ: اللَّفْظُ المُرَكَبُ المفيدُ بالوضْعِ، وأقسامُهُ ثلاثةٌ: اسمٌ وفعلٌ وحرفٌ جاء لمعنى.
(اللَّفْظُ المُرَكَبُ المفيدُ بالوضْع) يعني أن الكلام عند النحويين هو اللفظ إلى ءاخره , فاللفظ هو الصوت المشتمل على بعض الحروف الهجائية كزيد , فإنه صوت اشتمل على الزاي والياء والدال , فإن لم يشتمل على بعض الحروف كصوت الطبل فلا يسمى لفظاً , فخرج باللفظ ما كان مفيدا ولم يكن لفظا كالإشارة والكتابة والعقد والنصب فلا تسمى كلاما عند النحاة . والمركب ما تركب من كلمتين فأكثر , كقام زيد وزيد قائم , والمثال الأول فعل وفاعل وكل فاعل مرفوع , والمثال الثاني مبتدأ وخبر وكل مبتدأ مرفوع بالابتداء وكل خبر مرفوع بالمبتدأ , وخرج بالمركب المفرد كزيد فلا يقال له كلام أيضا عند النحاة .
والمفيد ما أفاد فائدة يحسن السكوت عليها من المتكلم والسامع كقام زيد وزيد قائم , فإن كلا منهما أفاد فائدة يحسن السكوت عليها من المتكلم والسامع وهي الإخبار بقيام زيد , فإن السامع إذا سمع ذلك لا ينتظر شيئاً ءاخر يتوقف عليه تمام الكلام , ويحسن أيضا سكوت المتكلم , وخرج بالمفيد المركب غير المفيد نحو غلامُ زيد من غير إسناد شىء إليه , وإن قام زيد , فإن تمام الفائدة فيه يتوقف على ذكر جواب الشرط فلا يسمى كلٌ من المثالين كلاما عند النحاة . وقوله (بالوضع) فسره بعضهم بالقصد , فخرج غير المقصود ككلام النائم والساهي فلا يسمى كلاماً عند النحاة , وبعضهم فسره بالوضع العربي فخرج كلام العجم كالترك والبربر فلا يسمى كلاما عند النحاة . مثال ما اجتمع فيه القيود الأربعة : قام زيد وزيد قائم , فالمثال الأول فعل وفاعل والثاني مبتدأ وخبر و وكل من المثالين لفظ مركب مفيد بالوضع فهو كلام . (أقسامُهُ ثلاثةٌ: اسمٌ وفعلٌ وحرفٌ)
يعني أن أجزاء الكلام التي يتألف منها ثلاثة أقسام :
الأول الاسم وهو كلمة دلت على معنى في نفسها ولم تقترن بزمن وضعاً كزيد وأنا وهذا .
الثاني الفعل وهو كلمة دلت على معنى في نفسها واقترنت بزمن وضعاً , فإن دلت تلك الكلمة على زمن ماض فهي الفعل الماضي نحو : قام , وإن دلت على زمن يحتمل الحال والاستقبال فهي الفعل المضارع نحو : يقوم , وإن دلت على طلب شىء في المستقبل وهي فعل الأمر نحو قُمْ , الثالث الحرف وهو كلمة دلت على معنى في غيرها نحو إلى وهل ولم .
وقوله (جاء لمعنى) يعني به أن الحرف لا يكون له دخل في تأليف الكلام إلا إذا كان له معنى ـ كهل ولم ـ ،فإنّ هل معناها الاستفهام ولم معناها النفي ، فإن لم يكن له معنى لا يدخل في تركيب الكلام كحروف المباني نحو : زايُ زيد ويائُه ودالُه ، فإنّ كلاً منها حرف مبني لا حرف معنى.
فالاسم يعرف بالخفض ، والتنوين ، ودخول الألف واللام وحروف الخفض.
وَهِيَ : مِنْ وإِلَى وَفِي وَرُبّ وَالْبَاءُ والْكَافُ وَالَّلامُ ، وَحُرُوفُ الْقَسَمِ وَهِيَ الْوَاوُ وَالْبَاءُ وَالتَّاءُ.
(فالاسم يعرف بالخفض والتنوين ودخول الألف وللام وحروف الخفض) ، يعني أن الاسم يتميز عن الفعل والحرف بالخفض نحو : مررت بزيد وغلام زيد ، فزيد المجرور بالباء وغلام اسمان لوجود الخفض ؛ والتنوين نحو : زيد ورجل ، فزيد ورجل كل منها اسم لوجود التنوين فيه ، والتنوين نون ساكنة تلحق الآخر لفظاً لا خطاً؛
ودخول الألف واللام نحو : الرجل والغلام ، فكل منهما اسم لدخول " أل " عليهما ؛ وحروف الخفض نحو : مررت بزيد ورجل ، فكلٌ منهما اسم لدخول حرف الخفض وهي الباء عليهما .
ثم ذكر جملة من حروف الخفض فقال: (وهي : من وإلى) نحو : سِرتُ من البصرةِ إلى الكُوفةِ ، فكل من البصرة والكوفة اسم لدخول من على الأول وإلى على الثاني ، (وعن) نحو : رميت السهم عن القوس ، فالقوس اسم لدخول عن عليه ،(وعلى) نحو : ركبت على الفرس ، فالفرس اسم لدخول على عليه، (وفي) نحو: الماء في الكوز ، فالكوز اسم لدخول في عليه ، (ورب) نحو : رُبّ رجلٍ كريمٍ لقَيْتَهُ ، فرجل اسم لدخول ربّ عليه، (والباء) نحو : مررتُ بزيدٍ ، فزيد اسم لدخول الباء عليه، (والكاف) نحو : زيدٌ كالبدرِ ، فالبدر اسم لدخول الكاف عليه ،(واللام ) نحو : المالُ لزيدٍ ، فزيد اسم لدخول اللام عليه ،(وحروف القسم) وهي من جملة حروف الخفض واستعملت في القسم (وهي : الواو والباء والتاء) نحو : والله وبالله وتالله ، فلفظ الجلالة اسم لدخول حروف القسم عليه .
والْفِعْلُ يُعْرَفُ ِبِقَدْ والِّسينْ وسَوْفَ وَتَاءِ التَّأنِيثِ السَّاكِنَةِ والْحَرْفُ مَا لا يَصْلُحُ مَعَهُ دَلِيلُ الاسْمِ ولا دَلِيلُ الْفِعْلِ.
(والفعل يعرف بقد والسين وسوف وتاء التأنيث الساكنة)
يعني أن الفعل يتميز عن الاسم والحرف بدخول قد عليه ، وتدخل على الماضي نحو : قد قامَ زيدٌ ، وعلى المضارع ، نحو : قد يقومُ زيدٌ ، فكل من قام ويقوم فعل لدخول قد عليه ، والسين وسوف يختصَّان بالمضارع نحو : سيقومُ زيدٌ وسوف يقومُ زيدٌ ، فيقوم فعلٌ مضارعٌ لدخول السين وسوف عليه ، وتاء التأنيث الساكنة تختص بالماضي نحو : قَامَتْ هِندٌ فقام فعل ماضٍ للحوق التَّاءِ له .
(والحرف ما لا يصلح معه دليل الاسم ولا دليل الفعل)
يعني أن الحرف يتميز عن الاسم والفعل بان لا يقبل شيئاً من علاماتِ الاسم ولا شيئاً من علامات الفعل كهَل وفي ولم ، فإنَّها لا تقبل شيئاً من ذلك ، فعلامتُهُ عدم قبول العلامات التي للاسم والفعل ، قال العلامة الحريري في ملحة الإعراب :
والحرف ما ليْست له علامهْ ~ فَقِسْ على قولي تَكُن علَّامَهْ
أي ما لَيْست له علامة موجودة بل علامته عدمية ، نظير ذلك الجيم والخاء والحاء ، فالجيم علامتها نقطة من أسفلها والخاء علامتها نقطة من أعلاها والحاء علامتها عدم وجود نقطة من أسفلها وأعلاها .
باب الإعراب
الإِعْرَابُ هُوَ تَغْيِيرْ أَوَاخِرِ الْكَلِمِ ، لاخْتِلافِ الْعَوَامِلِ الَّداخِلَةِ عَلَيْهَا لَفْظَاً أَوْ تَقْدِيرَاً. وأَقْسَامُهُ أَرْبَعَةٌ :
رَفْعٌ وَنَصْبٌ وَخَفْضٌ وَجَزْمٌ.فَلِلأسْمَاءِ مِنْ ذَلِكَ : الرَّفعُ وَالنَّصْبُ وَالخَفْضَ وَلا جَزْم ِفيهَا ، وَلِلأَفْعَالِ مِنْ ذَلِكَ : اْلرَّفْعُ وَالَّنصْبُ وَالْجَزْمُ ولا خَفْضَ فِيهَا.
(الإعراب هو تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها لفظاً أو تقديرا)
يعني أن الإعراب هو تغيير أواخر الكلم بسبب دخول العوامل المختلفة وذلك نحو : زيد ، فإنه قبل دخول العوامل موقوف وليس معرباً ولا مبنيَّاً ولا مرفوعا ولا غيره ،فإذا دخل عليه العامل فإن كان يطلبُ الرَّفعّ رّفِعَ نحو: جاء زيْدٌ فإنه فعل يطلب فاعلاً والفاعل مرفوع فيكون زيد مرفوعاً بجاء على أنه فاعله، وإن كان العامل يطلب النصبَ نُصب ما بعده نحو : رأيتُ زيداً ، فإنّ رأيت فعل والتاء فاعله وزيداً مفعوله والمفعول منصوب ، وإن كان يطلبُ الجَرَّ جُرَّ ما بعده نحو الباء في نحو : مررتُ بزيدٍ فزيدٍ مجرور بالباء. فتغيُّرُ الآخر من رفعٍ إلى نصبٍ أو جر هو الإعراب ، وسببه دخول العوامل .
وقوله (لفظاً أو تقديراً)
يعني به أن الآخر يتغير لفظاً كما رأيته في الأمثلة المذكورة ، أو تقديراً كما في الاسم الّذي ءاخره ألف نحو : الفتى أو ياء نحو : القاضي ، فإنّ الألف اللينة يتعذر تحريكها فيقدر فيها الإعراب للتعذر ، نحو جاءَ الفتى ، فالفتى فاعل مرفوع بضمة مقدرة على الألف اللينة منع من ظهورها التعذر ، ورأيتُ الفتى ، فالفتى مفعول به منصوب بفتحة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر ؛ ونحو : جاء القاضي فالقاضي فاعل مرفوع بضمة مقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل ، وأما في حالة النصب فتظهر الفتحة على الياء للخفة نحو : رأيتُ القاضي فالقاضي مفعول به منصوب بفتحة ظاهرة ؛ فالفرق بين ما ءاخره ألف أو ياء أن ما ءاخره ألف يتعذر إظهاره وإعرابه رفعاً ونصباً وجراً وما ءاخره ياء لا يتعذر ولكنه يستثقل رفعاً وجراً.
(وأقسامه أربعة رفع ونصب وخفض وجزم)
يعني أن أقسام الإعراب أربعة :
رفع نحو : يضرب زيد ، ونصب نحو : لن أضرب عمرَ ، وخفض نحو : مررت بزيد ، وجزم نحو : لم أضربْ زيداً ؛ فزيد في الأول مرفوع بيضرب على أنه فاعله ، وأضرب في الثاني فعل مضارع منصوب بلن ، وعمرَ منصوب بأضرب على أنه مفعوله ، وزيد في الثالث مجرور بالباء ، وأضرب في الرابع فعل مضارع مجزوم بلم .ولن : تسمى حرف نفي ونصب واستقبال لأنها تنفي الفعل وتنصبُهُ وتصيره مستقبلاً ، ولم : تسمى حرف نفي وجزم وقلب لأنها تنفي الفعل وتجزمه وتقلب معناه فيصير ماضياً.
(فللأسماء من ذلك الرفع والنصب والخفض ولا جزم فيها)
يعني أن الأسماء يدخلها الرفع نحو : جاء زيد ، والنصب نحو : رأيتُ زيداً ، والخفض نحو : مررتُ بزيدٍ ، ولا يدخلها الجزمُ.(وللأفعال من ذلك الرفع والنصب والجزم ولا خفض فيها) يعني أن الأفعال يدخلها الرفع نحو : يضرب، والنصب نحو : لن أضربً ، والجزم نحو : لم أضربْ ، ولا يدخلها الخفض ؛ فالرفع والنصب يشترك فيهما الاسم والفعل ، ويختص الاسم بالخفض والفعل بالجزم .