المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم /لأبي أيوب زهير ساجي


زهير
24-10-2009, 07:53 مساء
نبذة عن تاريخ تعدد الزوجات
إن تعدد الزوجات معروف في الرسالات السابقة كما هو معروف في رسالة الإسلام وحياة الرسول -عليه الصلاة والسلام- نوجزه في الآتي:
(1) إن إبراهيم وإسحاق ويعقوب وداود وسليمان وغيرهم قد عددوا الزوجات ووصل الأمر بهم إلى الزواج من مئة مثل داود الذي لم يكتف بتسع وتسعين حتى تزوج تمام المئة امرأة بعد موت زوجها، وسليمان كانت له ثلاثمائة زوجة وأربعمائة جارية كما في العهد القديم مصدر التشريع الأول عند النصارى.
(2) كافة نصوص العهد القديم تأذن بالتعدد وتبيحه للأفراد رسلاً أو بشراً.
(3) لم يرد نص واحد يحرم التعدد في النصرانية وقد تأثر النصارى بالبلاد التي نشروا فيها النصرانية، ففي إفريقيا يأذنون بالتعدد ويبيحون الزواج للقساوسة، وفي أوروبا يحرمون التعدد ويحرمون الزواج على القساوسة ويبيحون الصداقة.
(4) النص الذي يستشهد به النصارى على تحريم التعدد هو(أما علمتم أن الخالق منذ البدء جعلهما ذكراً وأنثى وقال لهذا يترك الرجل أباه وأمه ويلزم امرأته فما جمعه الله لا يفرقه إنسان). فجعلوا من ضمير الإفراد في قوله: "امرأته" أن الرجل لا يتزوج إلا بامرأة واحدة. والنص قد فهم على غير وجهه، فالمسيح حين سئل "أيحل لأحدنا أن يطلق امرأته لأي علة كانت..." كانت إجابته كما سبق.
(5) أن الإجابة لا صلة لها بالتعدد بل بالنهي عن الطلاق لا التزوج.
(6) المسيحية تأذن بالتعدد بالتتابع ولكنها ترفضه بالجمع وينتهي التعدد عند الرابعة متتابعاً حتى لا يكون الإنسان غاوياً، وتسمح بالخلة والصديقة بدون حد ولا عد.
(7) كان العرب يجمعون بين أربعين امرأة في وقت واحد كدليل على الرجولة وطلب للولد.
(8) بالنسبة لتعدد زوجات الرسول -صلى الله عليه وسلم- فإنه يرجع إلى أسباب تعليمية وتشريعية واجتماعية وسياسية سيأتي بيانها –إن شاء الله تعالى-.
نبذة عن عدد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، وعن عددهن بعد مماته.
تروي كتب التاريخ والسيرة أن جميع من عقد عليهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة امرأة، فاللواتي تزوجهن ودخل بهن إحدى عشرة امرأة هن على الترتيب التالي:
1- خديجة بنت خويلد، وهي أم جميع أبنائه ما عدا إبراهيم، ولدت له من الذكور: القاسم وعبد الله واسمه الطاهر والطيّب، ومن الإناث: زينب وأم كلثوم ورقية وفاطمة رضي الله عنهم جميعا.
2- سودة بنت زمعة.
3- عائشة بنت أبي بكر الصديق.
4- زينب بنت جحش الأسدية.
5- حفصة بنت عمر بن الخطاب.
6- أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان.
7- هند أم سلمة بنت أبي أمية.
8- جويرية بنت الحارث.
9- صفية بنت حيي بن أخطب.
10- ميمونة بنت الحارث .
11- زينب بنت خزيمة.
واللواتي عقد عليهن وفارقهن ولم يدخل بهن اثنتان:
12- أسماء بنت النعمان الكِنْدية، لما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدخل بها وجد بها بياضاً فمتّعها ، وردها إلى أهلها.
13- عمرة بنت زيد الكلابية، وكانت حديثة عهد بكفر، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم استعاذت منه، فردها إلى أهلها بعد أن أداها حقها.
وأما ملك يمينه فاثنتان:
14- مارية بنت شمعون القبطية، ولدت إبراهيم وتوفى صغيراً.
15- وريحانة بنت زيد القرظيَّة.
فأما اللاتي توفين قبله فاثنتان: خديجة بنت خويلد، وزينب بنت خزيمة.
وأما اللاتي توفي عنهن فتسع زوجات هن كما يلي: عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، وهند أم سليمة بنت أبي أمية، وسودة بنت زمعة، وزينب بنت جحش الأسدية، وميمونة بنت الحارث، وجويرية بنت الحارث، وصفية بنت حيي بن أخطب.
والذي عليه كتب السيرة والمحققون من أهل العلم والحديث أن جمع الرسول صلى الله عليه وسلم بين تسع نسوة في وقت واحد هو المعتد به والمشهور، ولا عبرة بما ذكره بعض المؤرخين كالطبري من أن الرسول صلى الله عليه وسلم تزوج من خمس عشرة امرأة، وجمع بين إحدى عشرة، ومما يؤيد الجمع بين تسع نسوة في آن واحد ما روى ابن كثير عن ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة والحسن: أنه لما نزلت آية التخيير وهي قوله تعالى: {يَأَيّهَا النّبِيّ قُل لأزْوَاجِكَ إِن كُنتُنّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتّعْكُنّ وَأُسَرّحْكُنّ سَرَاحاً جَمِيلاً} [الأحزاب: 28]، ولما نزلت كان تحته صلى الله عليه وسلم تسع نسوة، خمس من قريش: عائشة، حفصة، أم حبيبة، وسودة، وأم سلمة، وأربع من غير قريش وهن: صفية الخيبرية، وميمونة الهلالية، وزينب الأسدية، وجويرية المصطلقية، وبدأ الرسول صلى الله عليه وسلم بعائشة، فلما اختارت الله ورسوله والدار الآخرة رؤي الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فتتابعن كلهن على ذلك، فلما خيرهن واخترن الله ورسول والدار الآخرة شكرهن الله جل شأنه على ذلك إذ قال: {لاّ يَحِلّ لَكَ النّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدّلَ بِهِنّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنّ إِلاّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ رّقِيباً} [الأحزاب: 52].
ويقول ابن كثير في تفسيره: (وذكر غير واحد من العلماء عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وابن زيد وابن جريج وغيرهم .. أن هذه الآية: (لاّ يَحِلّ لَكَ النّسَآءُ مِن بَعْدُ ..) نزلت مجازاة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ورضاه عنهن على حسن صنيعهن في اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة لما خيرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم في الآية) .
فهذه النصوص بجملها تؤكد أن جمع الرسول صلى الله عليه وسلم بين تسع نسوة في وقت واحد وأمر مقطوع به لايقبل الشك، وهذا الجمع يبدأ عهده على الأرجح من السنة السابعة من الهجرة إلى أن نزلت آية (لاّ يَحِلّ لَكَ النّسَآءُ مِن بَعْدُ ..) إلى أن توافاه الله تعالى.
ولم تكن زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم - كما رأيت - من جنس واحد، ولا من دين واحد. ففيهن العربيات وغير العربيات، وفيهن القرشيات وغير القرشيات، وقد سبق ذكر القرشيات وغير القرشيات، وأما غير العربيات وغير المسلمات من الديانات الأخرى فهن: ريحانة بنت زيد القرظية فكانت ملك يمينه وهي يهودية، وصفية بنت حيي وهي يهودية. أما مارية فكانت ملك يمينه وهي قبطية نصرانية، ثم أسلمن عندما بنى بهن النبي صلى الله عليه وسلم.
هؤلاء هن زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم على اختلاف أجناسهن وأديانهن، فقد جمع في عصمته من قومه ومن غير قومه، كما جمع المسلمة والنصرانية واليهودية، وجمع بين البكر والثيب، والفقيرة وابنة رئيس العشيرة .. وهذا كله من حسن سياسته صلى الله عليه وسلم، ونظره البعيد في تآلف القوم، ومحو الفوارق العنصرية.
وإذا أردنا تقسيم حياة الرسول صلى الله عليه وسلم الزوجية اتخذنا طريقة (محمد علي) بذلك، وهي أنه قسمها إلى أربع حلقات :
1- حياة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن كان في الخامسة والعشرين من عمره، وكان لايزال عازباً يحيا حياة هادئة تمتاز بالطهر والعفاف.
2- حياة الرسول صلى الله عليه وسلم من الخامسه والعشرين إلى الخمسين، وكان في هذه الفترة سعيداً مع زوجه خديجة بنت خويلد، ولم يفكر في غيرها قط إلا بعد وفاتها.
3- حياة الرسول صلى الله عليه وسلم من الخمسين إلى الستين حين تزوج عدة نساء لأسباب اجتماعية وسياسية وإنسانية.
4- حياة الرسول صلى الله عليه وسلم من الستين من عمره إلى وفاته، لم يتزوج خلالها تنفيذاً لأمر الله، وتكريماً لنسائة اللواتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة.
الحكمة من تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلّم
إن الحكمة من تعدد زوجات الرسول كثيرة ومتشعبة ويمكننا أن نجملها فيما يلي:
أولاً: الحكمة التعليمية.
ثانيًا: الحكمة التشريعية.
ثالثًا: الحكمة الاجتماعية.
رابعًا: الحكمة السياسية.
أولاً: الحكمة التعليمية:
لقد كانت الغاية الأساسية من تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم هي تخريج بعض معلمات للنساء يعلمنهن الأحكام الشرعية، فالنساء نصف المجتمع، وقد فرض عليهن من التكاليف ما فرض على الرجال.
وقد كان الكثيرات منهن يستحيين من سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض الأمور الشرعية وخاصة المتعلقة بهن كأحكام الحيض والنفاس والجنابة والأمور الزوجية وغيرها من الأحكام، وقد كانت المرأة تغالب حياءها حينما تريد أن تسأل الرسول الكريم عن بعض هذه المسائل، كما كان من خلق الرسول صلى الله عليه وسلم الحياء الكامل، وكان كما تروي كتب السنة أشد حياءً من العذراء في خدرها، فما كان عليه الصلاة والسلام يستطيع أن يجيب عن كل سؤال يعرض عليه من جهة النساء بالصراحة الكاملة بل كان يكني في بعض الأحيان ولربما لم تفهم المرأة عن طريق الكناية مراده عليه السلام.
تروي السيدة عائشة رضي الله عنها أن امرأة من الأنصار سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض فعلّمها صلى الله عليه وسلم كيف تغتسل ثم قال لها: ((خذي فرصة ممسكة ـ أي قطعة من القطن بها أثر الطيب ـ فتطهري بها)) قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: ((تطهري بها)) قالت: كيف يا رسول الله أتطهر بها؟ فقال لها: ((سبحان الله تطهري بها))، قالت السيدة عائشة: فاجتذبتها من يدها فقلت: ضعيها في مكان كذا وكذا وتتبعي بها أثر الدم. وصرحت لها بالمكان الذي تضعها فيه، فكان صلوات الله عليه وسلم يستحي من مثل هذا التصريح.
وهكذا كان القليل أيضًا من النساء من تستطيع أن تتغلب على نفسها وعلى حيائها فتجاهر النبي صلى الله عليه وسلم بالسؤال عما يقع لها، نأخذ مثلاً لذلك حديث أم سلمة المروي في الصحيحين وفيه تقول: جاءت أم سُليم ـ زوج أبي طلحة ـ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ((نعم إذا رأت الماء)) فقالت أم سلمة: لقد فضحت النساء، ويحك أو تحتلم المرأة؟ فأجابها النبي الكريم بقوله: ((إذًا فيم يشبهها الولد؟)).
مراده عليه السلام أن الجنين يتولد من ماء الرجل وماء المرأة، ولهذا يأتي له شبه بأمه، وهكذا كما قال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعاً بَصِيراً} [الإنسان:2]. قال ابن كثير رحمه الله: "أمشاج أي أخلاط والمشج والمشيج الشيء المختلط بعضه في بعض، قال ابن عباس: يعني ماء الرجل وماء المرأة، إذا اجتمعا واختلطا..."
وهكذا مثل هذه الأسئلة المحرجة، كان يتولى الجواب عنها فيما بعد زوجاته الطاهرات، ولهذا تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: (رحم الله نساء الأنصار؛ ما منعهن الحياء أن يتفقهن في الدين، وكانت المرأة منهن تأتي إلى السيدة عائشة في الظلام لتسألها عن بعض أمور الدين، وعن أحكام الحيض والنفاس والجنابة وغيرها من الأحكام، فكان نساء الرسول خير معلمات وموجهات لهن وعن طريقهن تفقه النساء في دين الله.
ثم إنه من المعلوم أن السنة المطهرة ليست قاصرة على قول النبي صلى الله عليه وسلم فحسب، بل هي تشمل قوله وفعله وتقريره، وكل هذا من التشريع الذي يجب على الأمة اتباعه، فمن ينقل لنا أخباره وأفعاله عليه السلام في المنزل غير هؤلاء النسوة اللواتي أكرمهن الله، فكن أمهات للمؤمنين، وزوجات لرسوله الكريم في الدنيا والآخرة؟!
لا شك أن لزوجاته الطاهرات رضوان الله عليهن أكبر الفضل في نقل جميع أحواله وأطواره وأفعاله المنزلية عليه أفضل الصلاة والتسليم.
ولقد أصبح من هؤلاء الزوجات معلمات ومحدثات نقلن هديه عليه السلام، واشتهرن بقوة الحفظ والنبوغ والذكاء.
ثانيًا: الحكمة التشريعية:
ونتحدث الآن عن الحكمة التشريعية التي هي جزء من حكمة تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم.
(1) زواجه من عائشة بنت أبي بكر الصديق - رضي الله عنها - سنة 11بعد النبوة فلقد كان بوحي، حيث رآها في المنام ورؤيا الأنبياء وحي، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا:" أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ مَرَّتَيْنِ أَرَى أَنَّكِ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ وَيَقُولُ هَذِهِ امْرَأَتُكَ فَاكْشِفْ عَنْهَا فَإِذَا هِيَ أَنْتِ فَأَقُولُ إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ " رواه البخاري وغيره.
(2) زينب بنت جحش سنة 5 هـ، وهي زوجة زيد بن حارثة الذي كان يُدعى زيد بن محمد بالتبني، وهذه الحكمة ظاهرة تدرك بكل بساطة، وهي أنها كانت من أجل إبطال بعض العادات الجاهلية المستنكرة، كبدعة التبني التي كان يفعلها العرب قبل الإسلام فقد كانت دينًا متوارثًا عندهم، يتبنى أحدهم ولدًا ليس من صلبه ويجعله في حكم الولد الصلبي، ويتخذه ابنًا حقيقيًا له حكم الأبناء من النسب في جميع الأحوال؛ في الميراث والطلاق والزواج ومحرمات المصاهرة ومحرمات النكاح إلى غير ما هنالك مما تعارفوا عليه، وكان دينًا تقليديًا متبعًا في الجاهلية.
كان الواحد منهم يتبنى ولد غيره فيقول له:" أنت ابني، أرثك وترثني "، وما كان الإسلام ليقرهم على باطل، ولا ليتركهم يتخبطون في ظلمات الجاهلة، فمهد لذلك بأن ألهم رسوله عليه السلام أن يتبنى أحد الأبناء ـ وكان ذلك قبل البعثة النبوية ـ فتبنى عليه السلام زيد بن حارثة على عادة العرب قبل الإسلام. وفي سبب تبنيه قصة من أروع القصص، وحكمة من أروع الحكم ذكرها المفسرون وأهل السير، لا يمكننا الآن ذكرها. وهكذا تبنى النبيُ الكريم زيدَ بن حارثة، وأصبح الناس يدعونه بعد ذلك اليوم زيد بن محمد.
روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (إن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن: {ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله} [الأحزاب:5] فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنت زيد بن شرحبيل)).
وقد زوجه عليه السلام بابنة عمته زينب بن جحش الأسدية، وقد عاشت معه مدة من الزمن، ولكنها لم تطل فقد ساءت العلاقات بينهما، فكانت تغلظ له القول، وترى أنها أشرف منه؛ لأنه كان عبدًا مملوكًا قبل أن يتبناه الرسول وهي ذات حسب ونسب.
ولحكمة يريدها الله تعالى طلق زيد زينب، فأمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يتزوجها لإقامة الدليل العملي على بطلان بدعة التبني، وبناء أسس الإسلام، والإتيان على الجاهلية من قواعدها، ولكنه عليه السلام كان يخشى من ألسنة المنافقين والفجار، أن يتكلموا فيه ويقولوا: تزوج محمد امرأة ابنه، فكان يتباطأ حتى نزل العتاب الشديد لرسول الله عليه السلام، في قوله جل وعلا: {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِى أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً} [الأحزاب:37].
وهكذا انتهى حكم التبني، وبطلت تلك العادات التي كانت متبعة في الجاهلية، وكانت دينًا تقليديًا لا محيد عنه ونزل قوله تعالى مؤكدًا هذا التشريع الإلهي الجديد: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلّ شَىْء عَلِيماً} [الأحزاب:40].
وقد كان هذا الزواج بأمر من الله تعالى، ولم يكن بدافع الهوى والشهوة كما يقول بعض الأفاكين المرجفين من أعداء الله، وكان لغرض نبيل وغاية شريفة هي إبطال عادات الجاهلية وقد صرّح الله عز وجل بغرض هذا الزواج بقوله: {لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً} [الأحزاب:37].
وقد تولى الله عز وجل تزويج نبيه الكريم بزينب امرأة ولده من التبني، ولهذا كانت تفخر على نساء النبي بهذا الزواج الذي قضى به رب العزة من فوق سبع سماوات.
روى البخاري بسنده أن زينب رضي الله عنها كانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: (زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سموات)، وهكذا كان هذا الزواج للتشريع وكان بأمر الحكيم العليم فسبحان من دقت حكمته أن تحيط بها العقول والأفهام وصدق الله: {وَمَا أُوتِيتُم مّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء:85].
ثالثًا: الحكمة الاجتماعية:
أما الحكمة الثالثة فهي الحكمة الاجتماعية، وهذه الحكمة تظهر بوضوح في تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بابنة الصديق الأكبر أبي بكر رضي الله عنه، وزيره الأول، ثم بابنة وزيره الثاني الفاروق عمر رضي الله عنه وأرضاه، ثم باتصاله عليه السلام بقريش اتصال مصاهرة ونسب وتزوجه العدد منهن مما ربط بين هذه البطون والقبائل برباط وثيق وجعل القلوب تلتف حوله وتلتقي حول دعوته في إيمان وإكبار وإجلال.
(1) زواجه من خديجة بنت خويلد - رضي الله عنها- سنة 15 قبل البعثة، وهذا أمر اجتماعي أن يتزوج البالغ العاقل الرشيد وكان - عليه الصلاة والسلام - في سن الخامسة والعشرين وظلت معه وحدها حتى توفيت وهو في سن الخمسين.
(2) تزوج بعدها بالسيدة سودة بنت زمعة سنة 10بعد النبوة، وكانت أرملة لحاجة بناته الأربع إلى أم بديلة ترعاهن وتبصرهن بما تبصر به كل أم بناتها.
(3) زينب بنت خزيمة استشهد زوجها في أحد فتزوجها سنة 4هـ.
(4) أم سلمة هند بنت أمية توفي زوجها ولها أولاد فتزوجها سنة 4هـ.
(5) تزوج النبي صلوات الله عليه بالسيدة عائشة سنة 11بعد البعثة وهي بنت أحب الناس إليه وأعظمهم قدرًا لديه ألا وهو أبو بكر الصديق الذي كان أسبق الناس إلى الإسلام، وقدم نفسه وروحه وماله في سبيل نصرة دين الله والذود عن رسوله وتحمل ضروب الأذى في سبيل الإسلام حتى قال عليه السلام كما في الترمذي مشيدًا بفضل أبي بكر: ((ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافيناه بها ما خلا أبا بكر فإن له عندنا يدًا يكافيه الله تعالى بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر، وما عرضت الإسلام على أحد إلا تردد ما عدا أبا بكر، ولو كنت متخذًا خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن صاحبكم خليل الله تعالى)).
فلم يجد الرسول صلى الله عليه وسلم مكافأة لأبي بكر في الدنيا أعظم من أن يقر عينه بهذا الزواج بابنته ويصبح بينهما مصاهرة وقرابة تزيد في صداقتهما وترابطهما الوثيق.
(6) تزوج صلوات الله عليه بالسيدة حفصة بنت عمر سنة 3هـ، بعد وفاة زوجها إكراماً لأبيها، فكان ذلك قرة عين لأبيها عمر على إسلامه وصدقه وإخلاصه وتفانيه في سبيل هذا الدين، وعمر هو بطل الإسلام الذي أعز الله به الإسلام والمسلمين، ورفع به منار الدين، فكان اتصاله عليه السلام به عن طريق المصاهرة خير مكافأة له على ما قدم في سبيل الإسلام، وقد ساوى صلى الله عليه وسلم بينه وبين وزيره الأول أبي بكر في تشريفه بهذه المصاهرة فكان زواجه بابنتيهما أعظم شرف لهما بل أعظم مكافأة ومنة ولم يكن بالإمكان أن يكافئهما في هذه الحياة بشرف أعلى من هذا الشرف فما أجل سياسته، وما أعظم وفاءه للأوفياء المخلصين.
كما يقابل ذلك إكرامه لعثمان وعلى رضي الله عنهما بتزويجهما ببناته وهؤلاء الأربعة هم أعظم أصحابه وخلفاؤه من بعده في نشر ملته وإقامة دعوته فما أجلها من حكمة وما أكرمها من نظرة.
رابعًا: الحكمة السياسية:
لقد كان لبعض زيجات الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعداً سياسياً من حيث ائتلاف القلوب والحد من العداوة وإطلاق الأسرى... إلخ، فمن المعلوم أن الإنسان إذا تزوج من قبيلة أو عشيرة يصبح بينه وبينهم قرابة ومصاهرة، وذلك بطبيعته يدعوهم إلى نصرته وحمايته ولنضرب بعض الأمثلة على ذلك لتتضح لنا الحكمة التي هدف إليها الرسول الكريم من وراء هذا الزواج.
(1) تزوجه صلوات الله عليه بالسيدة جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق من خزاعة سنة 6هـ، وكانت قد أسرت مع قومها وعشيرتها، ثم بعد أن وقعت تحت الأسر أرادت أن تفتدي نفسها، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه بشيء من المال فعرض عليها الرسول الكريم أن يدفع عنها الفداء وأن يتزوج بها فقبلت ذلك، فتزوجها فقال المسلمون: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت أيدينا ـ أي أنهم في الأسر ـ فأعتقوا جميع الأسرى الذين كانوا تحت أيديهم، فلما رأى بنو المصطلق هذا النبل والسمو وهذه الشهامة والمروءة أسلموا جميعًا ودخلوا في دين الله وأصبحوا من المؤمنين، فكان زواجه صلى الله عليه وسلم بها بركة عليها وعلى قومها وعشيرتها لأنه كان سببًا لإسلامهم وعتقهم وكانت جويرية أيمن امرأة على قومها.
أخرج البخاري في صحيحة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء بني المصطلق فأخرج الخمس منه ثم قسمه بين الناس فأعطى الفارس سهمين والراجل سهمًا فوقعت جويرية بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس، فجاءت إلى الرسول فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث سيد قومه وقد أصابني من الأمر ما قد علمت، وقد كاتبني ثابت على تسع أواق فأعني على فكاكي فقال عليه السلام: ((أو خير من ذلك؟)) فقالت: ما هو؟ فقال: ((أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك)) فقالت: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله: ((قد فعلت)) وخرج الخبر إلى الناس فقالوا: أصهار رسول الله يسترقون؟ فأعتقوا ما كان في أيديهم من سبي بني المصطلق فبلغ عتقهم مائة بيت بتزوجه عليه السلام بنت سيد قومه.
(2) وكذلك تزوجه صلى الله عليه وسلم بالسيدة صفية بنت حيي بن أخطب سنة 7هـ ، التي أسرت بعد قتل زوجها في غزوة خيبر وقد وقعت في سهم بعض المسلمين فقال أهل الرأي والمشورة: هذه سيدة بني قريظة لا تصلح إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرضوا الأمر على الرسول الكريم فدعاها وخيرها بين أمرين:
أ ـ إما أن يعتقها ويتزوجها عليه السلام فتكون زوجة له.
ب ـ وإما أن يطلق سراحها فتلحق بأهلها.
فاختارت أن يعتقها وتكون زوجة له، وذلك لما رأته من جلالة قدره وعظمته وحسن معاملته، وقد أسلمت وأسلم بإسلامها عدد من الناس.
روي أن صفية رضي الله عنها لما دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: لم يزل أبوك من أشد اليهود لي عداوة حتى قتله الله، فقالت يا رسول الله: إن الله يقول في كتابه: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [فاطر:18]، فقال لها الرسول الكريم: اختاري فإن اخترت الإسلام أمسكتك لنفسي، وإن اخترت اليهودية فعسى أن أعتقك فتلحقي بقومك، فقالت: يا رسول الله: لقد هويت الإسلام وصدقت بك قبل أن تدعوني إلى رحلك وما لي في اليهودية أرب وما لي فيها والد ولا أخ وخيرتني الكفر والإسلام فالله ورسوله أحب إلي من العتق وأن أرجع إلى قومي، فأمسكها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه.
(3) وكذلك تزوجه عليه الصلاة والسلام بالسيدة أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان سنة 7هـ، والذي كان في ذلك الحين حامل لواء الشرك وألد الأعداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أسلمت ابنته في مكة ثم هاجرت مع زوجها إلى الحبشة فرارًا بدينها، وهناك مات زوجها، فبقيت وحيدة فريدة لا معين لها ولا أنيس، فلما علم الرسول الكريم بأمرها أرسل إلى النجاشي ملك الحبشة ليزوجه إياها، فأبلغها النجاشي ذلك فسرت سرورًا لا يعرف مقداره إلا الله سبحانه؛ لأنها لو رجعت إلى أبيها أو أهلها لأجبروها على الكفر والردة أو عذبوها عذابًا شديدًا، وقد أصدقها عنه أربعمائة دينار مع هدايا نفيسة، ولما عادت إلى المدينة المنورة تزوجها النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام. ولما بلغ أبا سفيان الخبر أقر ذلك الزواج وقال:" هو الفحل لا يقدع أنفه "، فافتخر بالرسول ولم ينكر كفاءته له إلى أن هداه الله تعالى للإسلام، ومن هنا تظهر لنا الحكمة الجليلة في تزوجه عليه السلام بابنة أبي سفيان، فقد كان هذا الزواج سببًا لتخفيف الأذى عنه وعن أصحابه المسلمين سيما بعد أن أصبح بينهما نسب وقرابة مع أن أبا سفيان كان وقت ذاك من ألد بني أمية خصومة لرسول الله ومن أشدهم عداء له وللمسلمين، فكان تزوجه بابنته سببًا لكسر حدته في العداء للإسلام، وتأليف قلبه وقلب قومه وعشيرته حتى هداه الله، كما أنه صلى الله عليه وسلم اختارها لنفسه تكريمًا لها على إيمانها لأنها خرجت من ديارها فارة بدينها فما أكرمها من سياسة وما أجلها من حكمة.
(4) ميمونة بنت الحارث تزوجها سنة 7هـ.
وخلاصة القول أن تعدد زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم- كله لحكم منها - فضلاً عما سبق - بيان كل ما يقع في بيت النبوة من أحكام عملاً بقوله تعالى: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة) [الأحزاب:34], كما أن زوجات الرسول - صلى الله عليه وسلم - اختلفت أحوالهن بين غنى وفقرٍ وحسب ونسب وبساطة لكل من يتزوج بأي صورة من هذه الصور قدوة في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع زوجته التي تطابق حال زوجه وتعددهن فيه بيان لكل ما يمكن أن يقع من النساء داخل البيت كالغيرة والصبر والتآمر وطلب الدنيا؟ والتواضع ونشر العلم والرضى... إلخ.
إذن التعدد بدأ في سن الثالثة والخمسين من عمره فهل هذا دليل الشهوة، ومن يشتهِ هل يتزوج الثيبات وأمهات الأولاد والأرامل، كيف وقد عرض عليه خيرة بنات قريش فأبى!
شبهات حول تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وجوابها
يحاول الحاقدون على الإسلام من النصارى أن يثيروا الشبهات في زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمهات المؤمنين، فكيف ندحض هذه الشبهة ونلقم أصحابها الحجارة في حلوقهم؟
الجواب:
نقول لهؤلاء النصارى:
إنكم تزعمون أن تعدد الزوجات عيب يخل بمقام النبوة، وبديهي أن الزنا الصريح أشد عيباً وفظاعة من تعدد الزوجات (على فرض أن الزواج عيب). وأن الزنا بامرأة القائد المخلص وقتله للاستيلاء على امرأته أشد فظاعة ونكراً من الزنا العادي. وأن الزنا بالبنات والمحارم أشد فظاعة وجرماً من الزنا بامرأة القائد وأن خيانة الله سبحانه وخداعه في أمر الرسالة أشد جرماً من الزنا في ذاته، وهذه الأمور كلها قد ذكرها كتابكم المقدس صراحةً وألصقها بالأنبياء الكرام الذي عبر عنهم كتابكم المقدس بأنهم أولاد الله الأبكار! وأنتم مع ذلك تؤمنون بكتابكم المقدس وتؤمنون بأن هؤلاء الأنبياء الذين ارتكبوا هذه الجرائم والموبقات من كبار الأنبياء، وتؤمنون أيضاً أن ارتكاب الأنبياء لهذه الخطايا والجرائم ليس فيه إسقاط لنبوتهم.
على أن تعدد الأزواج قد وجد في الأنبياء العظام كإبراهيم وداود ويعقوب وسليمان وغيرهم كما نص بذلك كتابكم المقدس وبالتالي كيف يصح لعاقل منكم قرأ كتابه المقدس أن يعيب ويطعن على محمد صلى الله عليه وسلم الذي جمع بين عدد من النساء؟!
ألا يعلم المنصرون أن طعنهم على كتاب الله ونبي الله بهذه الحالة هو في الحقيقة طعن على كتابهم المقدس؟! لأن البداهة تقضي بأن يقول الناس إذا كان تعدد الأزواج عيباً ينافي النبوة فالزنا الصريح والشرك والخيانة التي أثبتها كتابكم المقدس في حق نبي الله داود وسليمان الحكيم تنافي النبوة من باب أولى ومع هذا فلا يمكن للمبشرين أن يسقطوا ويطعنوا في نبوة هؤلاء الأنبياء وبالتالي أصبح النصارى أمام أمرين:
إما أن يكفوا عن الكلام في موضوع تعدد زوجات الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وإما أن يعترفوا بأن كتابهم المقدس الذي نقل عن الأنبياء أنهم عددوا في الأزواج وأن منهم زناة ومجرمين وخطاة هو من المحرف...
لقد درج أعداء الإسلام منذ القديم على التشكيك في نبي الإسلام والطعن في رسالته والنيل من كرامته، ينتحلون الأكاذيب والأباطيل ليشككوا المؤمنين في دينهم، ويبعدوا الناس عن الإيمان برسالته صلى الله عليه وسلم، ولا عجب أن نسمع مثل هذا البهتان والافتراء والتضليل في حق الأنبياء والمرسلين، فتلك سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلاً، وصدق الله حيث يقول: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِيّ عَدُوّاً مّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبّكَ هَادِياً وَنَصِيراً} [الفرقان:31].
وهنا نحبّ أن نرد على شبهة سقيمة طالما أثارها كثير من الأعداء من الصليبيين الحاقدين والغربيين المتعصبين.
رددوها كثيرًا ليفسدوا بها العقائد ويطمسوا بها الحقائق ولينالوا من صاحب الرسالة العظمى محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه.
إنهم يقولون:" لقد كان محمد رجلاً شهوانيًا يسير وراء شهواته وملذاته ويمشي مع هواه، لم يكتف بزوجة واحدة أو بأربع كما أوجب على أتباعه، بل عدَّد الزوجات فتزوج عشر نسوة أو يزيد سيرًا مع الشهوة وميلاً مع الهوى ".
كما يقولون أيضًا:" فرق كبير وعظيم بين عيسى وبين محمد، فرق بين من يغالب هواه ويجاهد نفسه كعيسى بن مريم وبين من يسير مع هواه ويجري وراء شهواته كمحمد "، {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا} [الكهف:5].
حقًا إنهم لحاقدون كاذبون فما كان محمد عليه الصلاة والسلام رجلاً شهوانيًا إنما كان نبيًا إنسانيًا تزوج كما يتزوج البشر، ليكون قدوة لهم في سلوك الطريق السوي، وليس هو إلهًا ولا ابن إله كما يعتقد النصارى في نبيهم، إنما هو بشر مثلهم فضَّله الله عليهم بالوحي والرسالة، {قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الكهف:110].
ولم يكن صلوات الله وسلامه عليه بدعًا من الرسل حتى يخالف سنتهم أو ينقض طريقتهم فالرسل الكرام قد حكى القرآن الكريم عنهم بقول الله جل وعلا: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرّيَّةً} [الرعد:38].
فعلام إذًا يثيرون هذه الزوابع الهوج في حق خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام؟ ولكن كما يقول القائل:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد***وينكر الفم طعم الماء من سقم
وصدق الله حيث يقول: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِى الصُّدُورِ} [الحج:46].
رد الشبهة:
هناك نقطتان جوهريتان تدفعان الشبهة عن النبي الكريم وتلقمان الحجر لكل مفتر أثيم يجب ألا نغفل عنهما وأن نضعهما نصب أعيننا حين نتحدث عن أمهات المؤمنين وعن حكمة تعدد زوجاته الطاهرات رضوان الله عليهن أجمعين.
هاتان النقطتان هما:
أولاً: لم يعدد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم زوجاته إلا بعد بلوغه سن الشيخوخة أي بعد أن جاوز من العمر الخمسين.
ثانيًا: جميع زوجاته الطاهرات ثيبات ـ أرامل ـ ما عدا السيدة عائشة رضي الله عنها فهي بكر، وهي الوحيدة من بين نسائه التي تزوجها صلى الله عليه وسلم وهي في حالة الصبا والبكارة، ومن هاتين النقطتين ندرك بكل بساطة تفاهة هذه التهمة وبطلان ذلك الادعاء الذي ألصقه به المستشرقون الحاقدون.
فلو كان المراد من الزواج الجري وراء الشهوة أو السير مع الهوى أو مجرد الاستمتاع بالنساء لتزوج في سن الشباب لا في سن الشيخوخة، ولتزوج الأبكار الشابات لا الأرامل المسنات، وهو القائل لجابر بن عبد الله حين جاءه وعلى وجهه أثر التطيب والنعمة: ((هل تزوجت؟)) قال: نعم، قال: ((بكرًا أم ثيبًا؟)) قال: بل ثيبًا، فقال له صلوات الله عليه: ((فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك وتضاحكها وتضاحكك)).
فالرسول الكريم أشار عليه بتزوج البكر وهو عليه السلام يعرف طريق الاستمتاع وسبيل الشهوة، فهل يعقل أن يتزوج الأرامل ويترك الأبكار ويتزوج في سن الشيخوخة ويترك سن الصبا إذا كان غرضه الاستمتاع والشهوة؟!
إن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يفدون رسول الله صلى الله عليه وسلم بمهجهم وأرواحهم، ولو أنه طلب الزواج لما تأخر أحد منهم عن تزويجه بمن شاء من الفتيات الأبكار الجميلات، فلماذا لم يعدد الزوجات في مقتبل العمر وريعان الشباب؟! ولماذا ترك الزواج بالأبكار وتزوج الثيبات؟! إن هذا بلا شك يدفع كل تقوُّل وافتراء ويدحض كل شبهة وبهتان ويرد على كل أفاك أثيم يريد أن ينال من قدسية الرسول أو يشوِّه سمعته، فما كان زواج الرسول بقصد الهوى أو الشهوة، وإنما كان لحكم جليلة وغايات نبيلة وأهداف سامية سوف يقر الأعداء بنبلها وجلالها إذا ما تركوا التعصب الأعمى وحكَّموا منطق العقل والوجدان، وسوف يجدون في هذا الزواج المثل الأعلى في الإنسان الفاضل الكريم والرسول النبي الرحيم، الذي يضحي براحته في سبيل مصلحة غيره وفي سبيل مصلحة الدعوة والإسلام.
شبهة أخرى:
بعض المشككيين يثيرون شبهة أن التشريع الإسلامي يحدد عدد الزوجات بأربعة فقط , بينما رسول الله تزوج بأكثر من ذلك
و للرد على هذه الشبهه يجب ترتيب الأفكار كالتالي:
1 - تعدد الزوجات كان موجود قبل الإسلام ولم يبتدعه, والفرق أنه كان بلا عدد محدد بل كان على إطلاقه.
2 - الرسول منع من التزوج بأكثر مما لديه في آية كريمة, جاءت و لم يكن تشريع الأربعة زوجات نزل بعد.
3 - وعليه فقد منع الرسول من الزواج بأكثر من تسعة بينما كان مباحا لباقي المسلمين.
4 - نزل التشريع بتحريم الزواج بزوجات الرسول, لذلك تجد الرسول لم يطلق طوال حياته لأنه كان طلاق أمهات المؤمنين يعني تدمير حياتهن الاجتماعية تدميرا شاملا.
5 - نزل تشريع الحد الأقصى من الزوجات بأربعة للمسلمين.
6 - طلق المسلمون زوجاتهم اللائي يزدن عن الحد المسموح فمن له خمسة طلق واحدة و من له عشرة طلق ستة منهن.
7 - لم يطلق الرسول ما زاد على أربعة بسبب النقطة رقم 4، و كان إبقائهن رحمة بهن.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه.

أبو أويس
27-10-2009, 03:56 مساء
كتب الله اجركم ونفع كم

زهير
03-11-2009, 05:04 مساء
جزاكم الله خيرا أخي أبا أويس على مروركم، وسدد خطاي وخطاكم.