يطرح التقويم في المقاربة بالكفاءات كأحد أهم المحاور التي تتطلب عناية خاصة ، ذلك لأن التجديد في صياغة المناهج يتطلب حتما تجديدا في التقويم . بهذا فإن المقاربة بالكفاءات إذا لم تغير في إجراءات التقويم بحيث تقدم جوابا واضحا على السؤالين : من نقوم ؟ وكيف نقوم ؟ فإن حظوظها في النجاح ضئيلة . ومن هنا كان لا بد من الإحاطة بموضوع التقويم وتقديمه بالشكل الذي يجعله متناسبا مع هذه المقاربة الجديدة ، وهو ما سنسعى إليه من خلال العناصر التالية
1. مصطلحات أساسية في التقويم بالكفاءات
كما حملت صياغة المناهج بمقاربة الأهداف مصطلحات جديدة في التقويم مثل أجرأة الأهداف وجعلها قابلة للقياس ، فإن المقاربة بالكفاءات حملت هي الأخرى مصطلحات خاصة بها من شأنها أن تحدث تغييرات عملية وتصورية للتقويم ، وأهم المصطلحات التي نراها كفيلة بتوضيح هذا المعنى يمكننا ذكرها على النحو التالي :
أ/ مؤشر الكفاءة : يعبر مؤشر الكفاءة على الأداء المعرفي والسلوكي الذي يمكننا بواسطته معرفة مدى تحكم المتعلم في الكفاءة المكتسبة ، أو إبراز مقدار التغيير الذي طرأ على مستوى الأداء المتعلق بالأفعال القابلة للملاحظة والقياس . وهو بهذا يتعدى الهدف الإجرائي المتعلق بتسهيل عملية القياس ، إلى القياس المستمر المتعلق بمستوى الأداء .
ب/ وضعية مشكلة : يتطلب قياس الأداء نمطا تقويميا لا يقوم على قاعدة استرجاع المعارف وإنما على قاعدة توظيف المعارف . وما دام التوظيف يرتبط بإسقاطات معرفية أو أداءات عملية ، فإن خير وسيلة للتحقق من ذلك هو جعل التلميذ يواجه موقفا يستدعي توظيف مكتسباته ، هذا الموقف هو ما يطلق عليه مصطلح وضعية مشكلة . فإذا أردت مثلا أن أتحقق من أن التلميذ قد استوعب معنى المحافظة على البيئة بالمستوى الذي يناسبه ، فإني أضعه أمام مواقف سواء في القسم أو في الطبيعة تستدعي حل مشكلة ما ، وعن طريق الامتحان أو الملاحظة أعرف المستوى الذي بلغه .
ج/ الإدماج : الإدماج من أهم ما استحدثته المقاربة بالكفاءات ، فمن بين النقائص المسجلة في المقاربة بالأهداف نجد قيام المنهاج على شكل مجزأ منفصل يرتبط بالمجال المراد قياسه . وقد تم التخلص من هذا المشكل في المقاربة بالكفاءات باستحداث الإدماج الذي يدل على بناء المعرفة وربط المكتسبات ببعضها البعض ليتم تمثلها من طرف التلميذ بصفة شاملة يعبر عنها بالكفاءة . فالكفاءة في نهاية المطاف تنـزع إلى تحقيق مستوى من الأداء هو خلاصة لعملية إدماج مستمرة بين المكتسبات في وحدات المادة الواحدة وفي مختلف المواد . ولا بد في عملية التقويم من مراعاة هذه الخاصية وعدم الاكتفاء بالنمط التقليدي في صياغة الأسئلة حيث ترتبط بمجال محدود .
د/ مستوى الكفاءة :حتى تتم عملية التقويم بصفة سليمة ، لا بد أن نعرف مستوى الكفاءة الذي نحن بصدد قياسه . ويتدرج تقويم مستوى الكفاءة من الكفاءة القاعدية إلى الكفاءة المرحلية وأخيرا الكفاءة الختامية . وهي كفاءات تتحقق بصفة مستمرة غير منقطعة ، في الوحدة التعليمية والفصل الدراسي والسنة الدراسية والمرحلة الدراسية . . . بحيث تتشكل الكفاءة المرحلية من مجموع الكفاءات القاعدية وتتشكل الكفاءة الختامية من مجموع الكفاءات المرحلية .
و تجدر الإشارة إلى مستوى آخر من الكفاءة ألا وهو الكفاءة المستعرضة ، وهي تنلك الكفاءات المتقاطعة والتي تشترك في تكوينها بعض المواد أو مواد كثيرة ، والتي يمكن تحقيقها بواسطة إدماج نواتج تعلمات معينة لبعض المواد أو لبعض المجالات .
2. خصائص التقويم المركز على الكفاءات
نظرا للتغييرات التي حملتها المقاربة بالكفاءات في صياغة المناهج الدراسية ، فإن التقويم باعتباره أحد أهم مكوناتها ، لا بد أن يكون متميزا عن أساليب التقويم التقليدي ، ولإبراز أهم خصائص التقويم المركز على الكفاءات يمكننا ذكر العناصر التالية :
- إنه تقويم يقوم على تمييز أداء الفرد عوض معرفة نسبة التحصيل أو مدى تحقق الأهداف الإجرائية .
- تكون الاختبارات ووسائل التقويم المختلفة موجهة نحو معرفة ما يستطيع المتعلم إنجازه .
- لا يكون التقويم مقيدا كلية بالمحيط الدراسي بل ينبغي أن يتم في انسجام مع الوسط الذي تطبق فيه برامج التكوين أي العمل على أن يكون تقويما تكوينيا موسعا .
- إذا كان التنسيق في التقويم التقليدي قائما على الانتقال من مستوى لآخر ( الفصل بين المستويات ) ، فإن التقويم المركز على الكفاءات يقوم على قياس الكفاءات بين مختلف المستويات التعليمية ( مراعاة مستوى الكفاءة ) .
- التوسع في استعمال وسائل التقويم المساعدة أكثر على التقويم التكويني خاصة الملاحظة والمقابلة .
- تقويم موسع إلى وسائل تمكن من معرفة مؤشر الكفاءة .
- تقويم يؤدي إلى معرفة النفس وتحمل المسؤولية من خلال مواجهة وضعيات هي مشكلات عملية .
- الشهادة الممنوحة لا تثبت فقط مستوى تعليميا معينا ، وإنما تثبت تحقق كفاءة أو عدد من الكفاءات في إطار برنامج التكوين .
- تقويم يراعي الفروق الفردية بين التلاميذ وبالتالي فإنه لا يجعلهم في نفس نقطة الانطلاق . وبالتالي وعلى حد تعبير بيرينو لا تقوم الكفاءات بصفة مقننة وهذا ما يؤدي إلى عدم الاقتصار على الامتحانات المدرسية التقليدية كصيغة تقويمية .
- لا يقوم المعلم التلاميذ بمقارنتهم مع بعضهم البعض ، ولكن المقارنة تتم بين المهمة المطلوب إنجازها وما تم إنجازه فعلا من طرف التلميذ ، وماذا بإمكانه فعله لو كان أكثر كفاءة .
- و للتأكد من تحقق الكفاءات في مختلف المستويات التعليمية ، لا بد من توفير سجلات للكفاءات المحققة خاصة بكل تلميذ ، وهو ما يؤكد تفريد التعليم واستمراريته عن طريق بناء المعرفة.
3. بين التقويم التكويني والتجميعي
في التصنيف التقليدي للتقويم يوجد فصل وظيفي بين التقويم التكويني والتجميعي ، بحيث تبرز وظيفة الأول أثناء العملية التعليمية عن طريق التغذية الراجعة ، بينما تبرز وظيفة الثاني بعد الانتهاء من عملية التعليم وذلك بتقدير كمي لمستوى التحصيل يتقرر على إثره مدى إمكانية الانتقال لمستوى أعلى . وعلى العكس من هذا التصور ، فإنه في المقاربة بالكفاءات ينبغي أن يتقلص هذا التمييز بين استعمال التقويم التكويني أو التجميعي ، لأنه في كلا التقويمين يؤخذ بعين الاعتبار نفس مؤشر الكفاءة في مراحل متعددة من تحقيقه ، حتى وإن كان يعلم أنه في نهاية السنة أو الفصل سيكون التقويم تجميعيا .
و لعل هذا الجمع بين التقويمين بالذات يشكل صعوبة من الصعوبات الكبيرة في المقاربة بالكفاءات ، ذلك لأنه يتطلب تحررا من الذهنية النمطية ، ليفسح أمامه مجالا أوسع لفهم التلاميذ وبالتالي المبادرة بأنشطة تجعل تقويمه في النهاية أكثر شمولية .
و حتى يتمكن المعلم من تحقيق هذا المطلب ، عليه أن يلجأ إلى أساليب تقويمية أخرى تضاف إلى الامتحانات الكتابية والشفوية ، فالمقابلة والملاحظة والسجلات الخاصة بالكفاءات المحققة كلها وسائل كفيلة بتحقيق تقويم موضوعي موسع من مستويات الأداء إلى العلاقات التفاعلية الصفية واللاصفية .
الخاتـمــة
بهذا يظهر التجديد في التقويم كأحد أهم مستلزمات التجديد في المقاربات ، وإن التطبيق السليم للمقاربة وبالتالي تحقيق الأهداف المرجوة منها يبقى معطلا ما لم تكن الأساليب التقويمية منسجمة معه ومؤدية إلى تقويم شامل وموضوعي .