الأخبار

جديد الموقع
التشريع المدرسي ( التشـــريع المدرسي )     ||     مجموعة كتب مهمة للاستاذ ( مكتبة الاستاذ )     ||     متن تحفة الأطفال ـ أحكام التجويد ( مكتبة الاستاذ )     ||     درس نموذجي في أحكام التجويد ( الـــدروس التكــــــوينية )     ||     التفسير الموضوعي ( الـــدروس التكــــــوينية )     ||     التفسير الموضوعي ( الـــدروس التكــــــوينية )     ||     قريبا ( التشـــريع المدرسي )     ||     قريبا ( التشـــريع المدرسي )     ||     قريبا ( التشـــريع المدرسي )     ||     قريبا ( التشـــريع المدرسي )     ||     

موقع العلوم الاسلامية || اسباب الاختلاف

عرض المقالة : اسباب الاختلاف

Share |

الصفحة الرئيسية >> كلمــــــات مضـــــــيئة

اسم المقالة: اسباب الاختلاف
كاتب المقالة: وكتبه: أبو أيوب زهير ساجي
تاريخ الاضافة: 02/03/2010
الزوار: 460

محاضرة بعنوان

أسباب الخلاف

تمهيــــد:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء، وإمام الأتقياء، سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، أما بعد:

فيقول الحق تبارك وتعالى: { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } (هود:118-119).

قال بعض العلماء: أي للاختلاف خلقهم، والصحيح أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق للعبادة؛ لأن الله تعالى يقول: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } (الذاريات:56)، فخلقهم سبحانه وتعالى للعبادة لا للاختلاف, لكن من سنته سبحانه وتعالى في الكون أنه ميز بين كل شيء، فميز بين الأطعمة والأمزجة، والألوان والأفكار، فجعل الحلو والحامض, وجعل الظلمة والنور, وجعل الليل والنهار, وجعل الحار والبارد، وكما أن الخلاف يقع في الكون بأكمله, فهو لا شك واقع في المجتمع الصغير بدءا بالأسرة, ثم القرية, ثم المدينة, ثم الشعب, ثم الأمة, ثم المعمورة، فلا بد إذاً أن يقف الإنسان بتعقل أمام سنة الله سبحانه وتعالى في الاختلاف.

قال ابن القيم رحمه الله: " وقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه لتفاوت إرادتهم وأفهامهم وقوى إدراكهم، ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعدوانه، وإلا فإذا كان الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباين والتحزب وكل من المختلفين قصده طاعة الله ورسوله لم يضر ذلك الاختلاف، فإنه أمر لا بد منه في النشأة الإنسانية، ولكن إذا كان الأصل واحدا والغاية المطلوبة واحدة والطريق المسلوكة واحدة، لم يكد يقع اختلاف وإن وقع كان اختلافا لا يضر كاختلاف الصحابة، فإن الأصل الذي بنوا عليه واحد وهو كتاب الله وسنة رسوله، والقصد واحد وهو طاعة الله ورسوله، والطريق واحد وهو النظر في أدلة القرآن والسنة وتقديمها على كل قولٍ ورأيٍ وقياسٍ وذوقٍ وسياسةٍ "(1). اهـ

معنى الخلاف:

في اللغة: قال في القاموس المحيط (202:3):" الخلاف المخالفة ...، واختلف ضد اتفق ".اهـ

قال في المصباح المنير (ص:69): " خالفته مخالفة وخلافًا، وتخالف القومُ واختلفوا إذا ذهب كل واحدٍ إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر، وهو ضد الاتفاق ".اهـ

وقال في لسان العرب (82:9):" تَخالَفَ الأَمْران واخْتَلَفا لم يَتَّفِقا وكلُّ ما لم يَتَساوَ فقد تَخالف واخْتَلَفَ "اهـ

الحاصل أن الخلاف والاختلاف والمخالفة بمعنى واحد، وهو المضادة وعدم الاتفاق.

في الاصطلاح: لا يختلف المعنى الشرعي للخلاف عن المعنى اللغوي، إلا أنه مقصور على الاختلاف في المسائل الشرعية، فيستعمل الاختلاف عند الفقهاء بمعناه اللغوي وكذلك الخلاف، وبعض الفقهاء فرق بين الاختلاف والخلاف باصطلاحات خاصة(2) ... وعلماء الشريعة يطلقون الخلاف على المسائل الشرعية التي لم يجمع عليها العلماء، فالخلاف عندهم ضد الإجماع(3).

ونعني بالخلاف هنا ما هو أشمل من الخلاف في المسائل الفقهية الاجتهادية، فيدخل في ذلك المخالفة في المسائل الاعتقادية، وفي وسائل الدعوة، وغيرها كما في قوله تعالى:{ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ } (آل عمران:105).

أنواع الاختلاف:

الاختلاف نوعان : اختلاف محمود، واختلاف مذموم.

أ-الاختلاف المحمود أو قُلْ: غير المذموم:

وهو عبارة عن الآراء المتعددة التي تصب في مشرب واحد، وهذه الاختلافات مردها إلى أسباب فكرية، واختلاف وجهات النظر، في بعض القضايا العلمية الظنية، كالخلاف في فروع الشريعة، وبعض مسائل العقيدة التي لا تمس الأصول القطعية، وهذا النوع من الاختلاف لا يوجب معاداة ولا افتراقًا في الكلمة ولا تبديدًا للشمل، فإن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في مسائل كثيرة من مسائل الفروع، كعتق أم الولد بموت سيدها، ووقوع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة، وفي بعض مسائل الربا، وفي بعض نواقص الوضوء، وموجبات الغسل، وبعض مسائل الفرائض كالجد مع الإخوة وغيرها، فلم ينصب بعضهم لبعض عداوة، ولا قطع بينه وبينه عصمة، بل كان كل منهم يجتهد في نصر قوله بأقصى ما يقدر عليه، ثم يرجعون بعد المناظرة إلى الألفة والمحبة والمصافاة والموالاة، من غير أن يضمر بعضهم لبعض ضغنا، ولا ينطوي له على معتبة ولا ذم، بل يدل المستفتي عليه مع مخالفته له، ويشهد له بأنه خير منه وأعلم منه، فهذا الاختلاف أصحابه بين الأجرين والأجر، وكل منهم مطيع لله بحسب نيته واجتهاده وتحريه الحق، لقوله عليه الصلاة والسلام: « إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحد » متفق عليه. 

       وعليه فهذا الخلاف ليس فيه مذمة في أصله، لأن مثل هذه المسائل يسوغ فيها الخلاف، إذا لم يكن عن تعصب وهوى وإنما عن اجتهاد وتحرٍ، وإنما الذم في عدم مراعاة آداب الخلاف العملية والأخلاقية التي سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في ثنايا هذه الندوة. (مع أخينا الفاضل الشيخ: سليم بن صفية).

ب-الاختلاف المذموم:

ومن أنواع هذا الخلاف المذموم: الاختلاف في مسائل العقيدة المتفق عليها عند أهل السنة والجماعة، والاختلاف في المسائل التي تكون قطعية الثبوت وقطعية الدلالة، مثل وجوب الصلاة والصيام والزكاة، وقطع يد السارق، ورجم الزاني المحصن، ووجوب الحجاب وتحريم الخمر وغيرها، ومخالفة ما أجمعت عليه الأمة، والاختلاف الناشئ عن تعصبٍ أو هوى أو غير ذلك -كما سيأتي في الأسباب- لا عن حجةٍ وبرهان. والخلاف في مثل هذه الأمور يرجع إلى أسباب خلقية متعددة، تعتبر من الرذائل الأخلاقية والمهلكات التي ينشأ عنها اختلاف غير محمود يؤدي إلى التفرق والتناحر والتدابر بين المسلمين.

أسباب الاختلاف:

وبما أن الخلاف منه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، فإن أسباب كل واحد من النوعين تختلف عن الآخر.

أولا: أسباب الخلاف المحمود(4):

السبب الأول:اختلاف القراءات القرآنية.

يعتبر اختلاف القراءات القرآنية المتواترة أو الشاذة من الأسباب التي أدّت بالأئمة إلى الاختلاف، فهذا يأخذ بقراءة ويبني عليها حكما، وذاك يأخذ بقراءة أخرى ويبني عليها حكما آخر، سواء كانت هذه القراءة متواترة أو شاذة، ومنهم من يرى العمل بالقراءة الشاذة ومنهم من لا يرى ذلك، فينشأ الخلاف، ومن أمثلة ذلك:

*في القراءات المتواترة: قوله تعالى:" وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ " (البقرة:222)، فقرئت لفظة " يطهرن " بقراءتين متواترتين، بالتخفيف لكل من الطاء والهاء وبتسكين الأولى وضم الثانية، وبالتشديد فيهما مع فتحهما، فأخذ أبو حنيفة رحمه الله بقراءة التخفيف، فقال بجواز جماع الحائض بمجرد انقطاع الدم عنها وإن لم تغتسل، وأخذ الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة بقراءة التشديد، فاشترطوا لجماع الحائض اغتسالها بعد انقطاع الدم عنها.

*ومثاله في القراءات الشاذة: قوله تعالى في كفارة اليمين:" فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ " (المائدة:89)، وفي قراءة شاذة لابن مسعود رضي الله عنه زيادة " متتابعات "، فمن أخذ بهذه الزيادة اشترط في صيام الثلاثة الأيام التتابع ولم يجيزوا صيامها متفرقة، وهو مذهب الحنفيّة وهو الأصحّ عند الحنابلة، وقول للشّافعيّة، ومن لم يأخذ بها لم يشترط التتابع وهو مذهب المالكيّة وقول للشّافعيّة، وعليه فقد أجازوا صومها متتابعة كما أجازوا صومها متفرقة.

السبب الثاني: عدم بلوغ النص لبعض العلماء دون بعض.

وذلك لأن إحاطة واحد بجميع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمكن ادعاؤها قط، وأبرز مثال على ذلك، الخلفاء الراشدون الذين هم أعلم الأمة بأمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته وأحواله، خصوصا الصديق رضي الله عنه الذي لم يكن يفارقه حضرا ولا سفرا، بل كان يكون معه في غالب الأوقات، حتى إنه يسمُر عنده بالليل في أمور المسلمين، وكذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم كثيرا ما يقول: " دخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر ".

*ومع ذلك لما سئل أبو بكر رضي الله عنه عن ميراث الجدة قال: ما لك في كتاب الله من شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من شيء ولكن أسأل الناس، فسألهم فقام المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة فشهدا " أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس" (كما في الموطأ والسنن)، وقد بلغت هذه السنةُ عمرانَ بنَ حصين أيضا(رواه الدارمي) وليس هؤلاء الثلاثة مثل أبي بكر وغيره من الخلفاء.

*وكذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يكن يعلم سنة الاستئذان حتى أخبره بها أبو موسى واستشهد بالأنصار (كما في الموطأ وصحيح مسلم وغيرهما من كتب السنة)، وعمر أعلم ممن حدثه بهذه السنة.

*وكذلك عثمان رضي الله عنه لم يكن عنده علم بأن المتوفى عنها زوجها تعتد في بيت الموت، حتى حدثته الفريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري بقضيتها لما توفي زوجها، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها:" امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله " فأخذ به عثمان، (كما في الموطأ والسنن).

*وأفتى علي  وابن عباس -رضي الله عنهما- وغيرهما بأن المتوفى عنها إذا كانت حاملا تعتد بأبعد الأجلين، ولم يكن قد بلغتهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في سُبيعة الأسلمية رضي الله عنها، حيث أفتاها النبي صلى الله عليه وسلم بأن عدتها وضع حملها، فتزوجت وكان ذلك بعد أربعين ليلةً من وفاة زوجها، (كما في صحيح البخاري).

     الحاصل أنّه لا يمكن أن يبلغ العالم كل ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما لا يمكنه أن يعلم بكل ما في الكتب بعد تدوينها(5)، مما يضطره إلى الاجتهاد وفق ما لديه من مقاصد الشريعة، وعمومات النصوص الأخرى، ثم قد يصيب وقد يخطئ فيقع الخلاف، وانظر إلى الإمام أبي يوسف رحمه الله تعالى وهو يخالف إمام مذهبه أبا حنيفة في حكم بيع الوقف، ويوافق الجمهور في القول بعدم الجواز حيث يقول:" لو بلغ أبا حنيفة هذا الحديث لقال به، ورجع عن بيع الوقف "(6).

السبب الثالث: عدم ثبوت النص عند بعض العلماء وثبوته عند آخرين.

ولهذا وجد في كلام غير واحد من الأئمة تعليق القول بموجب الحديث على صحته فيقول:" قولي في هذه المسألة كذا وقد روي فيها حديث بكذا، فإن كان صحيحا فهو قولي "، ويروى عن أبي حنيفة وعن الشافعي وغيرهما:" إذا صح الحديث فهو مذهبي ".

*قال ابن حزم في الحديث الذي رواه البخاري معلقا جازما به، من حديث أبي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ أنه سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:" لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ يَعْنِي الْفَقِيرَ لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا فَيُبَيِّتُهُمْ اللَّهُ وَيَضَعُ الْعَلَمَ وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ "، قال بعد ما بين أن الحديث لم يثبت عنده حسب اجتهاده رحمه الله :" والله لو أُسند جميعُه أو واحدُ منه فأكثر من طريق الثقات إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ترددنا في الأخذ به "، فالغناء إذاً محرم حتى على مذهب ابن حزم حسب كلامه هذا، لأن الحديث حكم العلماء بصحته.

*قال ابن العربي المالكي معلقا على مذهب مالك في القول بوجوب القضاء على من أكل ناسيا في نهار رمضان:" وقد روى الدارقطني فيه:(لا قضاء عليك) ...وإنما أقول ليته صحّ فنتبعه ونقول به "، والصحيح أن هذا الحديث صحيح فيجب العمل به.

     ويرجع اختلاف العلماء في تصحيح الحديث أو تضعيفه لعدة أسباب: كاختلافهم في قبول خبر مستور الحال، وكاختلافهم في بعض الرواة الذين لهم حالان، و كاختلافهم في حديث الثقة يحدّث بالحديث ثمّ ينساه، ولنكتف هنا بشرح السببين الأخيرين:

1- أن يكون للمحدث حالان: حال استقامة وحال اضطراب مثل أن يختلط أو تحترق كتبه (كابن لهيعة مثلا: فقَدْ كَانَ جلُّ اعتماده في روايته عَلَى كتبه، فلما احترقت ضُعِّف في الرِّوَايَة لكثرة ما وجد من الوهم والخطأ في روايته بَعْدَ ذهاب كتبه، وممن روى عنه قبل الاختلاط العبادلة الثلاثة:عبد الله بن وهب، عبد الله بن المبارك، عبد الله بن يزيد المقرئ، قال عبد الغني بن سعيد الأزدي والساجي وغيرهما:" إذا روى العبادلة عن ابن لهيعة فهو صحيح: ابن المبارك و ابن وهب والمقرئ " الصحيحة1/41)، فما حدث به في حال الاستقامة صحيح، وما حدث به في حال الاضطراب ضعيف، فلا يدري العالم ذلك الحديث من أي النوعين؟ وقد علم غيره أنه مما حدث به في حال الاستقامة.

2- أن يكون المحدث قد نسي ذلك الحديث، فلم يذكره فيما بعد أو أنكر أن يكون حدثه معتقدا أن هذا علة توجب ترك الحديث، ويرى غيره أن هذا مما يصح الاستدلال به، وهذه المسألة معروفة، وقد ألف العلماء في هذا النوع، لأجل هذا ردّ الحنفية حديث عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم:" إذا نكحت المرأة بغير إذن وليها فنكاحها باطل " الحديث، من أجل أنَّ ابن جريج قال: لقيت الزهري، فسألته عن هذا الحديث، فلم يعرفه.

كما ردوا حديث أبي هريرة:" أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين "، لأن عبد العزيز بن محمد الدراوردي قال: لقيت سهلا، فسألته عنه، فلم يعرفه.

والصحيح في هذه المسألة ما عليه الجمهور، لأن المروي عنه بصدد السهو والنسيان، والراوي عنه ثقة جازم، فلا يرد بالاحتمال روايته، ولهذا كان سهيل بعد ذلك يقول: حدثني ربيعة عني، عن أبي، ويسوق الحديث.

وقد روى كثير من الأكابر أحاديث نسوها بعد ما حدثوا بها عن من سمعها منهم، فكان أحدهم يقول:"حدثني فلان، عني، عن فلان بكذا وكذا ".

السبب الرابع: نسيان بعض العلماء بعض النصوص.

وهذا يرد في الكتاب والسنة، فإذا نسي الدليل اجتهد وفق ما يمتلكه من آلة الاجتهاد، ثم قد يوافق النص وقد يخالفه لأنّه ليس معصوما، مثاله: الحديث المشهور عن عمر رضي الله عنه، أنه سئل عن الرجل يجنب في السفر فلا يجد الماء؟ فقال: لا يصلي حتى يجد الماء فقال له عمار: يا أمير المؤمنين أما تذكر إذ كنت أنا وأنت في الإبل فأجنبنا، فأما أنا فتمرغت كما تمرغ الدابة، وأما أنت فلم تصل فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:" إنما يكفيك هكذا وضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه وكفيه؟ " فقال له عمر: اتق الله يا عمار فقال: إن شئت لم أحدث به، فقال: بل نوليك من ذلك ما توليت. والحديث في الصحيحين وغيرهما.

فهذه سنة شهدها عمر ثم نسيها حتى أفتى بخلافها، وذكّره عمار فلم يذكر، وهو لم يُكذب عمارا بل أمره أن يحدث به، فانظر إلى هذا الأدب الرفيع من عمر، رضي الله عنه وعن الصحابة جميعا.

السبب الخامس: اشتراط بعض العلماء للعمل بخبر الواحد العدل الحافظ شروطا يخالفه فيها غيره.

مثل اشتراط بعضهم عرض الحديث على الكتاب والسنة، واشتراط بعضهم أن يكون المحدث فقيها إذا خالف قياس الأصول، واشتراط بعضهم انتشار الحديث وظهوره إذا كان فيما تعم به البلوى، إلى غير ذلك مما هو معروف في مواضعه.

السبب السادس: اختلافهم في فهم النص وتفسيره.

قد يصل النص جميع العلماء، ويثبت عندهم، غير أنّهم قد يختلفون في فهمه وتفسيره وفي استنباط الحكم منه، تبعا لتفاوت فهمهم للنص، ويرجع ذلك إلى وجود بعض الألفاظ التي تحتمل العديد من المعاني، كبعض الألفاظ الغريبة (كلفظ المزابنة والمحاقلة...) والمشتركة(كلفظ القرء) والمجملة، وإلى اختلاف أصول الاستنباط لدى كل إمام، مما يجعل آراء العلماء تختلف في المسألة الواحدة، ولنكتف هنا بذكر بعض الأمثلة:

1- حمل جماعة من الصحابة في أول الأمر الخيط الأبيض والخيط الأسود على الحبل، نظرا لعدم معرفته بدلالة النص أصلا، كما في حديث عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:" لَمَّا نَزَلَتْ { حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ } عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلَا يَسْتَبِينُ لِي، فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ ".

2- اختلف الصحابة في المراد بالأمر بالصلاة في بني قريظة، كما في حديث ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنْ الْأَحْزَابِ:" لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمْ الْعَصْرُ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ: بَعْضُهُمْ لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ " متفق عليه، فحمله بعضهم على ظاهره، وحملهم آخرون على إرادة الإسراع، ويرجع هذا الاختلاف للفروق الفردية، وتفاوت القدرات العقلية.

3- اعتقاد بعض العلماء أن لا دلالة في النص، وذلك يرجع إلى بعض اجتهاداتهم في بعض المسائل الأصولية، مثل: أن يعتقد أن العام المخصوص ليس بحجة، وأن المفهوم ليس بحجة، وأن العموم الوارد على سببٍ مقصورٌ على سببه، أو أن الأمر المجرد لا يقتضي الوجوب، أو لا يقتضي الفور، أو أن المُعرف باللام لا عموم له، وشطر أصول الفقه تدخل مسائل الخلاف منه في هذا القسم.

السبب السابع: الاختلاف في طرق الجمع والترجيح بين النصوص المتعارضة.

في حقيقة الأمر لا تعارض بين الأدلة الشرعية، لأن مصدرها واحد وهو الله تعالى، سواء كانت من الكتاب أو من السنة، قال تعالى:" ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " (النساء:410)، لكن قد يظهر للمجتهد بعض التعارض، فيقف أمام هذه الأدلة مرجحا بعضها على بعض بحسب ما يظهر له، حينما يصعب عليه الجمع والتوفيق بين تلك الأدلة، وباب الجمع والترجيح بين الأدلة الشرعية باب دقيق، يتجلّى فيه تفاوت الأفهام، وعمق الأنظار، مما لا يتوافق فيه العلماء، وأسباب الترجيح كثيرة أرجعها بعض العلماء إلى أربعة هي: الترجيح باعتبار السند، الترجيح باعتبار المتن، الترجيح باعتبار مدلول النص، الترجيح باعتبار أمر خارج عن النصوص المتعارضة.

ومن المسائل التي اختلف فيها العلماء بسبب تعارض الأدلة ظاهرا: مسألة استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط، مسألة نكاح المحرم بالحج أو العمرة، ومسألة الشرب واقفا، ومسألة صيام يوم السبت، وغيرها كثير، فمن العلماء من وقف إزاء هذه المسائل موقف الجمع، ومنهم من وقف موقف الترجيح.

السبب الثامن: الاختلاف في بعض القواعد الأصولية وبعض مصادر الاجتهاد.

كاختلافهم في حجية القراءات الشاذة، وإمكانية وقوع الإجماع بعد زمن الصحابة، وحجية عمل أهل المدينة، والقياس، والمصالح المرسلة، والاستحسان، وكاختلافهم في مسألة حمل العام على الخاص، والمطلق على المقيّد عند التعارض وغيرها.

قال سيخ الإسلام في رسالته رفع الملام عن الأئمة الأعلام:" ... وفي كثير من الأحايين يجوز أن يكون للعالم حجة في ترك العمل بالحديث لم نطلع نحن عليها، فإن مدارك العلم واسعة ولا يمكن الاطلاع على جميع ما في بواطن العلماء... والدليل الشرعي يمتنع أن يكون خطأ إذا لم يعارضه دليل آخر، ورأي العالم ليس كذلك... الحاصل أن العالم في نفسه قد يكون معذورا في تركه للدليل، ونحن معذورون في تركنا لرأيه، والواجب هو الرجوع إلى الكتاب والسنة، قال تعالى: { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} [ النساء : 59 ]، وليس لأحد أن يعارض الحديث الصحيح بقول أحد من الناس، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما لرجل سأله عن مسألة فأجابه فيها بحديث فقال له: قال أبو بكر وعمر، فقال ابن عباس:" يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر ؟ ".اهـ بتصرف

     هذه هي الأسباب التي تؤدي إلى اختلاف العلماء، وعلى منهاجهم لا بد أن يسير طلبةُ العلم الربانيون، والدعاة المخلصون، أمّا غيرهم ممن انتسب إلى العلم ظلما وزورا، فقد ابتكروا أسبابا أخرى غير ما ذكرنا، سوغوا لأنفسهم بها الاختلاف، وترجع كلها إلى أسباب خلقية متعددة هذا أوان بيانها.

ثانيا: أسباب الخلاف المذموم، أو قل: أسباب الفرقة(7).

الأول - وجود الخطأ أصلا.

إن وجود الخطأ سبب قوي في نشوء الخلاف، يكبر الخلاف معه ويصغر، وهو يشكل علاقةً مطردةً، وليس العيب في الخطأ فقد رأينا فيما سبق أن الخطأ يقع فيه حتّى العلماء الربانيون من عدة وجوه، بل لا يكاد يسلم منه أحد من بني آدم، قال عليه الصلاة والسلام:" « كل ابن آدم خطاء وخير الخطّائين التوابون » أخرجه الترمذي وابن ماجه وغيرهما، ولكن العيب في الاستمرار عليه، بعدما يظهر للعبد أنه على خطأ لهوى في نفسه أو أي سبب آخر.

الثاني - البغي والعدوان.

فإنك تجد بعض الناس يحب أن يبغي على الآخرين, لأن من طبيعته العدوان, فهو كبعض الحيات السامة, فإذا لم تلدغ في السنة مرة ماتت، فهو إذاً كما قال زهير بن أبي سلمى:

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يُهدَّم ومن لا يظلم الناس يُظلمِ

قال سبحانه وتعالى: { وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ } (آل عمران:19)، وقال سبحانه: { فلما جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ } (البقرة:89)، فاليهود يشهدون أن محمدا - عليه الصلاة والسلام - رسول من عند الله ، فلما جاءهم بالعلم كفروا بغياً وعدواناً.

الثالث – الحسد.

قال سبحانه وتعالى: { وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ } ( البقرة:109).

فالمقصود: أن الحسد يحمل بعض الناس إلى أن يخالف غيره, ولو كان الحق مع المخالف، وهذا مذهب بني إسرائيل, والعياذ بالله, فهم يحسدون الناس كما قال سبحانه وتعالى: { أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا } (النساء:54)، وبنو الإسلام يقع فيهم الحسد كما يقع في غيرهم , ولو كانوا مؤمنين، ولكن لابدّ من أطر النفس وحملها على الخير.

قيل للحسن البصري: أيحسد المؤمن؟ قال: ويلك!! أنسيت قصة أبناء يعقوب لما حسدوا يوسف عليه السلام؟ قال: فماذا أفعل؟ قال: إذا حسدت فلا تبغ.

الرابع – الكبر.

وقد عرفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:« الكبر بَطَر الحق وغَمْط الناس » رواه مسلم وأبو داود والترمذي، (بطر الحق: ردّه، وغمط الناس: احتقارهم)، فتجد بعض الناس, لا يرى الآخرين بسبب التكبر، تقول له: السلام عليكم ورحمة الله . . . فلا يرد لأنه من فصيلةٍ أخرى, أو لأن دمه دم آخر، فإذا نصحته غضب عليك, وأخذته العزة بالإثم؛ لأنه يرى أن مثله لا ينصح، فهذا هو رد الحق وبطره.

*وما حمل أبا جهل على رد دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلا الكبر، وكذلك الوليد بن المغيرة, وكذلك الطغاة من قبلهما كفرعون وقارون وهامان، لقد كان أبو جهل يعلم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم صادق ورسولٌ من عند الله عز وجل, لكنه كان يقول: إذا قال بنو هاشم: عندنا النبوة فماذا نقول؟ فانظر إلى الكبر والعياذ بالله.

*فالتكبر سنة إبليسية كانت سببا في إخراجه من الجنة وطرده من رحمة الله، قال تعالى:{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ } (البقرة:34).

الخامس- التعصب للأشخاص والمناهج والمذاهب والطوائف.

فبعض الناس إذا أحب شخصًا وأُولِعَ به, فلا يكاد يبصر إلا رأيه أو اجتهاداته, ولو كانت خاطئة، وهذا المنهج غير صحيح؛ لأن المعصوم هو محمد صلى الله عليه وسلم، وكل أحد منا يؤخذ من قوله ويرد إلا محمدًا صلى الله عليه وسلم، كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى.

وبعض الناس يرى أن منهجه ووسيلته وطريقته هي الصائبة فقط, ولا أصوب منها، أما غيرها فخطأ، وأنه يجب على الناس أن يَمضوا على منهجه, وأن يُسلموا لطريقته, وأن ينقادوا لما يقول.

قال رجل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: يا علي، أتظن أن الحق معك والباطل مع طلحة والزبير وعائشة؟ يعني في معركة الجمل، قال: ويلك!! اعرف الحق تعرف أهله, ولا تعرف الحق بالرجال.

قال تعالى: { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (النساء:82).

     فالتعصب للأشخاص والمناهج مصيبة قد أضرت بالأمة الإسلامية، وأخرت ركبها وأشغلتها بالخلافات والردود، حتى أحاط بنا الأعداء من كل جانب, يستثنى من ذلك إذا كان هذا التعصب لأمر كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، فهو حق لا بد من التمسك به، ولا يسمى ذلك تعصبا.

السادس - ضِيقُ الأفق.

فبعض الناس ضيق الأفق, لا يتسع صدره للمحاورة ولا للنقاش, فهو يغلق عليك الطريق منذ أول وهلة مقرراً رأيه ومسفها لما سواه.

يقول الله سبحانه وتعالى: { وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ } (التوبة:6)، أي: اتركه حتى يسمع النور, واتركه حتى يسمع الوحي, واجعل له فرصة حتى يُظهر لك ما في صدره.

يقول الشافعي :" قولنا صواب يحتمل الخطأ, وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب ".

ويقول:" والله ما ناظرت أحداً إلا وددت أن يصيب وخفت عليه أن يخطئ ".

وكان إذا ناظر أحداً يدعو ويقول:" اللهم سدده, اللهم ثبته "، ولذلك رفع الله الشافعي وأمثاله.

السابع - فساد التصور وضعفه.

*فتجد بعض هؤلاء يحمل الآيات والنصوص على غير محملها كما فعل الخوارج, فهم يحملون آيات الكفار على المؤمنين فيستحلون دماء المسلمين عياذاً بالله.

وأما أهل السنة فإنهم يحملون آيات الكفار على الكفار وآيات المؤمنين على المؤمنين، وينزلون الأمور منزلها الشرعي من غير إفراط ولا تفريط ومن غير غلو ولا جفاء.

الثامن - إلزام ما لا يلزم.

فتجد بعض المخالفين يقول: قال العالم الفلاني كذا وكذا, ومعنى كلامه كذا وكذا, إذا فهو كذا وكذا.

*تقول له مثلا: رحمة الله واسعة, والله غفور لذنوب العباد، فيقول في نفسه: المرجئة يقولون: إن الله غفور رحيم بالعباد, والمرجئة يسهِّلون المعاصي, إذاً فهذا مرجئ, فهو إذاً مبتدع أو زنديق.

*وكذلك في مسألة التكفير تجد الغلاة المكفرة كفروا بعض المسلمين واتجهوا بعد ذلك إلي من لم يكفرهم من المسلمين فكفروهم ويحتجون بالقاعدة الشرعية:" من لم يكفر الكافر فهو كافر "، والقاعدة صحيحة لكن الفهم الخارج عن فهم السلف كان سبباً في وقوعهم في تكفير أهل الإسلام نسأل الله السلامة.

التاسع - غلبة العاطفة على العقل.

خاصة في سن الشباب الذي ما بين العشرين إلى الثلاثين، بل أقل من العشرين، فتجد الشباب يندفع بعاطفته الجياشة وكلامه الناري, مستخدماً العبارات الثقيلة التي تجنح به عن قبول الحق, لأنه لم يتدبر فيه بعقله بل بعاطفته، ونحن نريد عاطفة الشباب, وعقول الشيوخ.

*فمثلاً: يخطئ بعض الناس في محاضرة ما في الحكم على حديث, فيقول أحد الشباب: لماذا يقول بأن هذا الحديث صحيح, وهو ضعيف؟ فهذا يدل على عدم معرفته بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم, وهجره للسنة, وعدم اهتمامه بالأثر الشريف.

وهذا حماس وعاطفة لا داعي لهما، بل الواجب: أن يبين بأنه قد أخطأ في الحديث, عارضاً وجهة نظره بحب وود وهدوء.

العاشر - حب الخلاف لذاته.

يقول أحد الشعراء :    مشغوفةٌ بخلافي لو أقولُ لها ... يومَ الغديرِ لقالتْ ليلةَ الغارِ.

وهكذا فإن بعض الناس لا يرتاح إلا أن يخالف مَنْ أمامه، فهو يجلس معك, فإذا استمع رأيك خالفك.

*مثلا تقول : هذا الأمر يجوز، فيقول : لا يجوز اعتباطاً، وهذا كله فقط لمخالفتك.

ولذلك جعلوا من آداب الصحبة: ألا تخالف صاحبك إلا في معصية لقوله صلى الله عليه وسلم:« لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق » أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف.

الحادي عشر - عدم التثبت في الأقوال والأفعال، مما يؤدي إلى سوء الظن والمسارعة إلى اتهام الآخرين بغير بينة.

يقول تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } (الحجرات:6)، وفي قراءة سبعية { فتثبتوا }.

*فكثير من هؤلاء يبني أحكامه على غير معرفة بالرأي الآخر, فإذا سمع مثلاً أن داعية من الدعاة قال كذا وكذا،  قام على المنبر بخطبة رنانة ليرد عليه، فيظهر له بعد الخطبة أنه ما قال ذلك، فيُسقًطَ في يده, وبالتالي يضع نفسه في موقف محرج لا داعي له؛ لأنه اعتمد في رواياته على الأخبار الكاذبة!

وأهل السنة من منهجهم أنهم إذا بلغهم الخبر, تثبتوا من صاحبه, وشافهوه وراسلوه ليعرفوا مقصوده حتى يردوا ويحاورا على بينة.

يقول تعالى: { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا } (الإسراء:36)، ويقول عليه الصلاة والسلام:" إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ " رواه البخاري ومسلم.

الثاني عشر - اتباع الهوى وحب الدنيا.

وهذه المسألة طامة كبرى وورطة عظيمة، وذلك لأن صاحبَ الهوى صعبُ الاقتناع، شديد الدفاع، وقليلون من أتباع الهوى من يعودون إلى الجادة إلا من رحم ربك، والخلاف مع أهل البدع - كما هو معروف بالتجربة والبرهان - خلافٌ صعب للغاية؛ لأن المبتدع يرى أنه على حق، فإذا ما تم الحوار معه تلعثم وانسحب دون رجوع عن قوله وفعله إلا من رحم الله، نسأل الله الهداية واتباع الحق والبعد عن الضلال والهوى.

الثالثَ عشر -التناكر وعدم الانسجام الروحي.

وهذا سبب فطري ولا يلام عليه المسلم إذا كان أصل الحب في الله تعالى موجوداً, ولا يؤدي ذلك إلى ظلم أو تعدٍّ أو بغض أو أي شكل من أشكال الحرام، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:"الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ " رواه البخاري، ورواه مسلم عن أبي هريرة، ولكن بعض الناس يحمله مثل هذا الأمر على البغي والظلم مما يُحدث التفرق والتشتت في صفوف المسلمين.

الرابعَ عشر: التعالم والغرور بالنفس والإعجاب بالرأي.

وهذا يوجد كثيرا من هؤلاء الذين ينتسبون إلى العلم وهم في الحقيقة عالة عليه، فيظن نفسه على شيء لأنّه قرأ كتابا، أو حفظ حديثا لم يدر معناه، أو راجع مسألة أو مسألتين، فيصاب بالغرور والإعجاب بالنفس، فيأتي بما لم تأت به الأوائل فيكون سببا في كثير من الخلاف.

الخامسَ عشر: الحرص على الزعامة أو الصدارة أو الظهور أو المنصب.

تجد بعض من يظن نفسه من طلبة العلم بسبب حبّه للظهور أو حرصه على منصب معيّن، يبتكر بعض الخلافات، حتّى يبرز أو حتّى يحافظ على منصبه، وقد قيل:" حب الظهور يقصم الظهور "، وقيل أيضا:" من تصدّر قبل أوانه، فقد تصدّى لهوانه "، لذا تجد المتصدّر في الغالب لا يقبل الحق، لأنه يظن أنه إذا خضع لغيره ممن يكون الحق معه، فقد حكم على نفسه أنه ليس من أهل العلم.

السادسَ عشر: الجهل وقلة العلم في صفوف كثير من المتصدرين.

اعلم أن الجاهل عدو ما يجهل، بل هو عدو لنفسه أولا، إذ يفعل فيها ما لا يفعله العدو بعدوه، ويرحم الله الشيخ أبا حامد الغزالي إذ قال:" لو سكت من لا يعلم لسقط الخلاف ".

والحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وكتبه: أبو أيوب زهير ساجي

طباعة


روابط ذات صلة

  بين العلم والعقل  
  القيم بين التأصيل والتنـزيل  
  الغش الدعوي  
  مبادئ في مقاربة التدريس بالكفاءات  
  التقويم بالكفاءات  
  البِنائية، والتعليم بوساطة الكفاءات، وبيداغوجية المشروع  
  المكتبة المدرسية الماهية.الأهداف.الوظائف  
  كيف نزرع القيم  
  قصيدة للاستاذ  
  المفتاح لأبواب النجاح  
  كيف أعالج موضوع العلوم الإسلامية  
  ظاهرة الغش في الامتحنات  
  خطبة عيد الفطر  
  الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم  
  النبي صلى الله عليه وسلّم كأنك تراه  
  ملخص محاضرة في التربية  
  حقيقة السعادة  
  همسة في أذن كلّ معلّم  
  فضائل العشر من ذي الحجة  
  رايت الناس قصيدة  
  مقوّمات الأخوة الإسلامية، ومفسداتها  
   طالب العلم والكتب  
  حقيقة العولمة  
  وقفات تربويّة مع وصايا لقمان الحكيم لابنه  
  هدي النبي ـ صلى الله عليه وسلم في اكتشاف الطاقات الإبداعية وتوظيفها  
  أزمة القدوات  
  في ذكرى المولد الشريف  
  العلامة عبد الحميد بن باديس  
  الغشاش  
  نصائح للمقبلين على الامتحان  
  حياة الشيخ شيبان رحمه الله  


التعليقات : 0 تعليق

القـائمـة الــرئـيسية

استراحة الموقع



Powered by: mktba 4.7
جميع الحقوق محفوظة لـموقع العلوم الاسلامية ولجميع المسلمين