الأخبار

جديد الموقع
التشريع المدرسي ( التشـــريع المدرسي )     ||     مجموعة كتب مهمة للاستاذ ( مكتبة الاستاذ )     ||     متن تحفة الأطفال ـ أحكام التجويد ( مكتبة الاستاذ )     ||     درس نموذجي في أحكام التجويد ( الـــدروس التكــــــوينية )     ||     التفسير الموضوعي ( الـــدروس التكــــــوينية )     ||     التفسير الموضوعي ( الـــدروس التكــــــوينية )     ||     قريبا ( التشـــريع المدرسي )     ||     قريبا ( التشـــريع المدرسي )     ||     قريبا ( التشـــريع المدرسي )     ||     قريبا ( التشـــريع المدرسي )     ||     

موقع العلوم الاسلامية || طالب العلم والكتب

عرض المقالة : طالب العلم والكتب

Share |

الصفحة الرئيسية >> كلمــــــات مضـــــــيئة

اسم المقالة: طالب العلم والكتب
كاتب المقالة: أبي أيّوب زهير ساجي
تاريخ الاضافة: 21/02/2010
الزوار: 469

بسم الله الرحمن الرحيم

محاضرة بعنوان: طالب العلم والكتب

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، أمّا بعد: فإنه ينبغي لطالب العلم أن يتّصف بالآداب العالية، والأخلاق الكريمة الراقية، التي تناسب شرف العلم الذي يطلبه، ولذا تنوعت هذه الآداب إلى آداب مع الله ورسوله، وآداب مع الشيخ، وآداب مع العلم، وآداب مع المدرسة، وآداب مع النفس، وآداب مع الزميل، وآداب مع الكتاب، ...وغيرها، وهذا الأخير هو موضوع محاضرتنا اليوم، وأوّل ما ينبغي للطالب معرفته ما يلي:

  1. أهمية القراءة والمطالعة:

تعتبر القراءة مفتاح العلوم وبوابة المعارف، لذا نجد الله تعالى أمر بها نبيّه محمّدا عليه الصلاة والسلام في أوّل ما نزل من القرآن الكريم، حيث قال تعالى:" اقرأ باسم ربّك الذي خلق " (العلق:1)، وهذا بالرّغم من أنّ نبيّنا صلى الله عليه وسلّم كان أمّيّا لا يقرأ ولا يكتب، حتّى يكون قدوة لنا في هذا الأمر، ولمّا كانت القراءة بهذه الأهميّة كان للكتاب أهمّيةٌ بالغةٌ أيضا لا تقلّ أهميّة عن سابقتها، لأنّه الوسيلةُ الأولى للقراءة، وهنا يجدرُ بنا أن نشير إلى هذه الأهميّة أيضا.

  1. أهميّة الكتاب:

يعتبر الكتاب من أهمّ وسائل تحصيل العلوم وذلك لما يحويه من درر وجواهر كامنة، فما على طالب العلم إلاّ أن يستنطق أسطر الكتب عن طريق القراءة والمطالعة، ولذا اهتمّ المسلمون بالكتابة منذ عصورهم الأولى امتثالا لأمره عليه الصلاة والسلام القائل:" قيّدوا العلم بالكتاب " (رواه ابن أبي شيبة والحاكم والطبراني والدارمي)، فقد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم في أوّل الأمر يأمر بكتابة القرآن وحده، وينهى عن كتابة السنة مخافة اختلاطها بالقرآن، ثمّ أذن لهم في ذلك بعدما أمِن الوقوع في مثل هذا المحذور، فقد ثبت عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، فَأَمْسَكْتُ عَنْ الْكِتَابِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ فَقَالَ: اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ " (رواه أبو داود)، ولمّا فهم الصحابة هذا الأمر فهما جيّدا قاموا بجمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصدّيق وبأمر منه في مصحف واحد، كما قاموا في عهد عثمان بن عفّان بنسخ عدّة نسخ منه بأمر من هذا الأخير، وقاموا بتوزيعها على الأمصار مخافة ضياعه واختلاف الناس فيه.

واستمر الأمر على هذه الشاكلة حتىّ أمر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بجمع السنة النبويّة، فانبرى لذلك الإمام العلَم محمد بن شهاب الزهري رحمه الله تعالى، واستمرت حركة التأليف والتصنيف في سائر العلوم لحفظها والاستفادة منها، بل وصار كل واحد من العلماء يكتب كل ما خطر في باله في شتّى العلوم والفنون، وذلك لأنّه اشتهر بينهم قولهم:" العلم صيدٌ والكتابة قيدٌ "، حتّى إنّ أحدهم كان يستيقظ في جوف الليل ليكتب فائدة علمية مخافةَ نسيانها، ثمّ يعودُ إلى النوم.

ولذا أصبحت الأمم تقاس بما تنتجه من الكتب حتّى قيل:" الأمّة التي لا تنتج كتبا لا تعمّر كثيرا "، وفي تاريخنا الإسلامي صفحات مشرقة تبيّن لنا هذا الأمر، ولنضرب لذلك مثالين:

* البصرة: جاء في مجلة الأحمديّة (العدد السادس/ص: 206-207):" وكانت مساجدها ومكتباتها غاصة بطلاب العلوم، وسماع القصص، ودراسة الأدب، والتفقه في الدّين على أيدي علمائها الأعلام، وقد ازدهرت الحياة العقلية في البصرة إلى جانب تقدّمها الاقتصادي، فكانت المكتبات العامّة والمساجد أسمى ما يتوق إليه الأهالي في حياتهم ".

* قرطبة: جاء في مجلة الأحمديّة (العدد السادس/ص: 301-302):" فقد وصل عدد المساجد في عهد الداخل وفي قرطبة وحدها إلى أربعمائة وتسعين مسجدا ثمّ زادت بعد ذلك كثيرا، وقد تبع إنشاء المساجد إنشاء المدارس، فقد كان في العاصمة وحدها أيام الداخل أكثر من سبع وعشرين مدرسة، يتلقى فيها أبناء الفقراء التعليم مجانا، فضلا عن المدارس العليا الملحقة بالمساجد في قرطبة وطليطلة وبلنسية والمريّة ومالقة وجيان، وبهذا فقد تحوّلت الأندلس أيام الأمويين إلى مدارس يلتقي فيها الأساتذة والطلاب من كل أنحاء العالم الإسلامي لاسيّما بعد الرحلات الطلابية إلى المشرق وعودتها محمّلة بالزاد الوفير من العلم، وكثرة الوافدين من المشرق بين شاعر وفقيه وعالم، وكثرة الكتب المجموعة من أماكن شتّى، والتشجيع المتواصل من قبل الحكام ".  

وهذا ما جعل العلماء الربانيّين يصرفون جلّ أوقاتهم في تأليف الكتب وتصنيفها، وإليك هذه النماذج الدّالة على ذلك للتمثيل لا للحصر:

* بدأ الإمام البخاري تصنيفه للتاريخ الكبير وله من العمر ثمانية عشر عاماً، وبقي في تصنيفه وتحسينه غالب حياته، أما (صحيحه) فمكث في تصنيفه ستة عشر عاماً.

* وصنف الحافظ ابن حجر العسقلاني كتابه فتح الباري بشرح صحيح البخاري في ثمانية عشر عاما.

* وابتدأ ابن عساكر تصنيف (تاريخ دمشق) بمجلداته الثمانين من صباه، واستمر في جمعه إلى أن شاخ.

* وأفنى الطبراني عمره المديد (فقد عمّر مائة سنة) في معجمه الأوسط.

هذا غيض من فيض، وقطرة من بحر هذة النماذج المشرقة لعلمائنا عليهم سحائب الرحمات.

  1. كيفية التعامل مع الكتب:

لقد ظهر لنا جليا أهميّة القراءة والمطالعة، وكذا الكتابة والكتاب، فكيف ننظم قراءتنا؟ وكيف نتعامل مع الكتاب حتّى نستفيد منه؟ ولتسهيل هذه العمليّة أذكرُ لطالب العلم هذه الطريقة لعلّ الله أن يجعل فيها الخير العميم والنفع الكبير.

يمكن أن نقسّم الكتب حسب أنواعها إلى أربعة أنواع، ولكل نوع طريقة للتعامل معه كالآتي:

أ- كتب المتون: ( المتن هو المختصر في أيّ فنّ من فنون العلم سواء كان نثرا أو نظما) وهذا النوع من الكتب يحفظ عن ظهر قلب، ثمّ يُستشرحُ عند شيخ متقن، وقد قيل: من حفظ المتون ... حاز الفنون، وأعظم ما يبدأ به الطالب كتاب الله، ثمّ ينتقل إلى غيره، قال النووي رحمه الله تعالى:" وبعد حفظ القرآن، يحفظ من كلِّ فن مختصراً, ويبدأ بالأهم، ومن أهمها الفقه والنحو، ثم الحديث والأصول، ثم الباقي على ما تيسر، ثم يشتغل باستشراح محفوظاته " اهـ، فيختار مثلا متن الأربعين النوويّة في الحديث أو عمدة الأحكام، وفي النحو متن الآجرّومية، وهكذا...وهنا يجدر بنا أن ننبّه إلى أهميّة أخذ العلم من أفواه الشيوخ لأنهم يختصرون لطالب العلم الطريق اختصارا، وعدم الاعتماد على الكتب اعتمادا كلياً، لأن ذلك من أسباب الزيغ والضلال، وقد قيل:" من كان شيخَه كتابُه فخطؤه أكثر من صوابه "(3)، وقال بعضهم:" من أعظم البلية: تشييخ الصحيفة "، وقال الشافعي:" من تفقه من بطون الكتب ضيّع الأحكام "، قال الشاطبي ناقلا عن العلماء قولهم: «كان العلم في صدور الرجال ثم انتقل إلى الكتب وصارت مفاتحه بأيدي الرجال»(4).

قال أحدهم في بيان ذلك نظما:

مَن يأخذ العلم عن شيخ مشافهةً     يكن من الزيغ والتحريف في حرَمِ

و مَنْ كان أخذُه للعلم عن كتبٍ     فعلمــه عند أهل العلم كالعدَمِ

      لهذا كان السلف يمنعون من كانت وسيلتَه إلى الفقه الكتبُ من الفتوى ومن التدريس، كما يمنعون من تلقى القرآن من المصحف من الإقراء، قال أبو زرعة الرازي رحمه الله تعالى:" لا يُفتي الناس صَحَفي، ولا يُقرئهم مُصحفي "(5).

ب-كتب الشروح: وهذا النوع من الكتب لابدّ فيه من إمعان النظر، وتكرار القراءة في كلّ مرّة حتىّ يصبح المقروء كالمحفوظ، ومن أعظم ما يعتني به طالب العلم في هذا النوع قراءة تفسير القرآن وبعض شروح كتب السنة، وشروح المتون الأخرى، قيل للإمام البخاري: ما البلاذر؟ (وهو دواء كانوا يظنون قديماً أنه يقوّي الذاكرة وينشط الذهن على الحفظ)، فأجاب الإمام البخاري، صارفاً لهم إلى البلاذر حقاً، حيث قال:" هو إدامة النظر في الكتب "(1).

      وقال عبد الله بن المبارك:" من أحبّ أن يستفيد، فلينظر في كتبه "(2).

      وقال الحافظ أبو مسعود أحمد بن الفرات (ت 258هـ):"لم نزل نسمع شيوخنا يذكرون أشياء في الحفظ، فأجمعوا أنه ليس شيء أبلغ فيه من كثرة النظر "(3).

فعلى طالب العلم أن يختار له تفسيرا ميسّرا للقرآن الكريم كتفسير العلامة السعدي أو تفسير الشيخ أبي بكر الجزائري، كما عليه أن يختار شرحا من شروح عمدة الأحكام كتيسير العلام للبسام، وشرحا للأربعين النووية كشرح الشيخ العثيمين، وشرحا للآجرّومية كالتحفة السَنيّة لمحيي الدين عبد الحميد، وشروحا أخرى ميسّرة للمتون الأخرى.

ج-كتب إجمام النفس: ككتب الثقافة العامة والمجلات والجرائد وكتب التاريخ والسِّيَر وكتب الأدب، وهذه يقرؤها في حال استجمامه وراحته لأنها لا تحتاج كثير تمعنّ وشدّ للذّهن، فيختار مثلا البيان والتبيين، والبخلاء كلاهما للجاحظ، والأذكياء وأخبار الحمقى والمغفّلين كلاهما لابن الجوزي عليه رحمة الله، وغيرها كثير.

د-سائر الكتب: أمّا سائر الكتب فلا بدّ لطالب العلم أن يقرأها بتمعّن، ويقيّد الفوائد منها، ويحفظ بعض ما فيها من أقوال وحكم وأشعار، وإذا أمكنه اختصارها فذلك أفضل، كما أنّه يستفيد منها كثيرا في إنجاز بحوثه.

  1. نماذج من قراءة العلماء للكتب:

وهنا أذكر لك أخي الطالب نماذج من قراءة العلماء للكتب حتّى نقتدي بهم في ذلك:

* جاء في ترجمة الفيروز آبادي صاحب القاموس أنه قرأ صحيح مسلم في ثلاثة أيّام.

* وقرأ الحافظ أبو الفضل العراقي صحيح مسلم على محمّد بن إسماعيل الخبّاز بدمشق في ستة مجالس متوالية.

* وجاء في تاريخ الذهبي في ترجمة إسماعيل بن أحمد الحيري النّيسابوري الضرير ما نصّه:" وقد سمع عليه الخطيب البغدادي بمكة صحيح البخاري بسماعه من الكشميهني في ثلاثة مجالس...".

* وقرأ الحافظ ابن حجر العسقلاني صحيح البخاري في عشرة مجالس كل مجلس منها نحو أربع ساعات رملية (أي في أربعين ساعة رملية)، وقرأ صحيح مسلم في أربعة مجالس سوى مجلس الختم في يومين وشيء، وقرأ سنن ابن ماجه في أربعة مجالس، وقرأ كتاب سنن النسائي الكبرى في عشرة مجالس، وقرأ معجم الطبراني الصغير في مجلس واحد ما بين صلاتي الظهر والعصر وهو في مجلد يشمل نحو ألفٍ وخمسمائة حديث.

5- مكتبة طالب العلم:

إن طالب العلم في حاجة ماسة إلى مكتبة عامرة بالكتب، مكتبة ضخمة بمعنى الكلمة، تكون بين يديه وقتما يشاء، مكتبة تنمو وتزيد كل يوم بالجديد، ولا تَقِفُ عن النمو ما دام صاحبُها حيَّ العلم والروح، إذ لا يعين على استيعاب جلّ أو كثير من جزئيات العلم المتفرقة والمتشعبة والمترامية الأطراف، ولا يحلّ إشكالها إلاّ مثل هذه المكتبة، ولذلك فعلى طالب العلم أن يتحلى بالبذل والسخاء في اقتناء الكتب، وأن يقدم شراء الكتاب على طعامه وملبسه وملذاته، وأن يحرص كلّ الحرص على أن لا يُفوّت كتاباً صغُر أو كبُر في أيّ فن من فنون العلم.

ومن نصائح ذي النون المصري (ت 245هـ) في ذلك:" ثلاثة من أعلام الخير في المتعلم: تعظيم العلماء بحسن التواضع لهم، والعمى عن عيوب الناس بالنظر في عيب نفسه، وبذل المال في طلب العلم إيثاراً له على متاع الدنيا "(4).

ولما أثنت امرأة على رجل بخير، وقالت في ثنائها:" لا يتخذ ضرة، ولا يشتري جارية "، أجابتها زوجُ ذلك الرجل بقولها:" والله لهذه الكتب أشدُّ عليّ من ثلاثِ ضرائرَ "(5).

أما طالب العلم (بزعمه) الذي يقول يغنيني كتاب عن كتاب، فليس بطالب علم في الحقيقة! ولا يريد أن يكون طالب علم، وذلك لأنَّه لا يغني كتابٌ عن كتاب.

وأما طالب العلم الذي يقول: لا أشتري كتاباً حتَّى أقرأ وأدرس الكتاب الذي عندي، فلا يفلح في العلم أبداً! وذلك لأن شراء الكتب وحده عبادة يؤجر عليها فاعلها، لوجوه، منها أنها مما لا ينقطع العمل به بعد الموت، فتبقى صدقة جارية ينتفع بها من بعده.

ثم إن تكوين المكتبة العامرة يشبه طلبَ العلم من جهتين:

      الأولى: كما أن طلب العلم لا يكون جملة، في أيام وليالي، كذلك تكوين المكتبة، لا يمكن أن يتم إلا من خلال متابعة للجديد من الكتب في عالم المطبوعات؛ فهناك كتب نادرة، وكتب سرعان ما تنفد من الأسواق، فمن لم يبادر بشرائها فاتته، وسيندم حين لا ينفع الندم.

      الثانية: أن طلب العلم الصادق يُلجئ طالب العلم إلى دراسة مسائل ما كان يظن قبل ذلك أنه سيحتاج دراستها، وكذلك تكوين المكتبة؛ فإن شراءك الكتاب ومعرفتك لما فيه يدلك على كتاب آخر، ربما لم تسمع به، وربما سمعت به ولم تظن أنك محتاج إليه؛ فالحاجة للكتب تنمو مع نمو طلبك للعلم.

فمن كان يجمع الكتب من بدايات طلبه للعلم، سيحمد ذلك عندما يعرف قيمة ما جمع، وأما من كان لا يشتري حتَّى يقرأ ما جمع فإن انصلح شأنه، فسيندم على سوء سياسته تلك بعد حين، ولات حين مندم.

      ولو تصفحت تراجم كبار الأئمة، والعلماء المبرَّزين، لوجدت أن القاسم المشترك بينهم هو حبُّ الكتب والشغفُ بها، وأنهم من أصحاب المكتبات العظيمة. وأما رحلتهم مع الكتاب وقصتهم معه، فهي قصص تملؤها العاطفة والتفاني والبذل واحتقار الدنيا وملذاتها: فكم من عالم رضي بالجوع دهراً ليقتني الكتب، وكم من عالم آخر باع ثوبه الذي على جسده أو داره التي يسكنها ليمتلك كتاباً، وكم من عالم رضي ببكاء أهله وأولاده عرياً وحرماناً ولم يرض بيع كتاب له، وكم من إمام بكى وغلب حزنه صبره لما فاته كتاب.. وكم وكم!! (6).

*فمن عجائب ذلك قصة الحافظ أبي العلاء الحسن بن أحمد بن سهل الهمذاني العطار (ت 569هـ)، وكان قد جمع كتباً كثيرة، ورحل إلى البلدان من أجل ذلك، وعمل داراً للكتب وخزانة، ووقف جميع كتبه فيها لطلبة العلم!

ومن غرائب ما حصل له في جمعه للكتب:  أنه كان مرة ببغداد، ونودي بالمزاد على كتب لابن الجواليقي بمبلغ كبير، فاشتراها أبو العلاء العطار، على أن يوفي الثمن بعد أسبوع، ولم يكن لديه ثمنها. فخرج إلى طريق همذان، فرحل، إلى أن وصلها – فأمر بأن ينادى على داره بالبيع!!! فلما بلغت السعر الذي اشترى به الكتب، قال للمنادي: بيعوا، فقال له المنادي: تبلغ أكثر من ذلك، فلم ينتظر خشية أن ينتهي أمد وفاء ثمن الكتب، فباع داره، ثم ركب إلى بغداد، فوفى الثمن، ولم يشعر أحد بحاله إلا بعد مدة!!!

ولما توفي هذا الإمام رؤي في المنام وهو في مدينة جميع جدرانها مبنية بالكتب، وحوله كتب لا تحصى، وهو مشتغل بمطالعتها!! فقيل له: ما هذه الكتب ؟! قال: سألت ربي أن يشغلني بما كنت أشتغل به في الدنيا، فأعطاني!!

      فعلى طالب العلم إذاً أن يبدأ في تكوين مكتبته من بداية طلبه، شيئاً فشيئاً؛ فإنه إن استمر في الطلب فسيجدُ غبَّ ما جمعَ خيراً وفائدة واستغناء وسعادة! كما عليه أن يعتني بهذه الكتب تغليفا ونظافة وإذا أعار كتاب فعليه أن يقيّد ذلك، وغيرها من مظاهر العناية بالكتب.

            نسأل الله الهداية والرشاد، والتوفيق والسداد، وصلّى الله وسلّم وبارك على عبده ورسوله محمّد، وعلى آله وصحبة، والحمد للّه ربّ العالمين.

      بقلم أبي أيّوب زهير ساجي

طباعة


روابط ذات صلة

  بين العلم والعقل  
  القيم بين التأصيل والتنـزيل  
  الغش الدعوي  
  مبادئ في مقاربة التدريس بالكفاءات  
  التقويم بالكفاءات  
  البِنائية، والتعليم بوساطة الكفاءات، وبيداغوجية المشروع  
  المكتبة المدرسية الماهية.الأهداف.الوظائف  
  كيف نزرع القيم  
  قصيدة للاستاذ  
  المفتاح لأبواب النجاح  
  كيف أعالج موضوع العلوم الإسلامية  
  ظاهرة الغش في الامتحنات  
  خطبة عيد الفطر  
  الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم  
  النبي صلى الله عليه وسلّم كأنك تراه  
  ملخص محاضرة في التربية  
  حقيقة السعادة  
  همسة في أذن كلّ معلّم  
  فضائل العشر من ذي الحجة  
  رايت الناس قصيدة  
  مقوّمات الأخوة الإسلامية، ومفسداتها  
  حقيقة العولمة  
  وقفات تربويّة مع وصايا لقمان الحكيم لابنه  
  اسباب الاختلاف  
  هدي النبي ـ صلى الله عليه وسلم في اكتشاف الطاقات الإبداعية وتوظيفها  
  أزمة القدوات  
  في ذكرى المولد الشريف  
  العلامة عبد الحميد بن باديس  
  الغشاش  
  نصائح للمقبلين على الامتحان  
  حياة الشيخ شيبان رحمه الله  


التعليقات : 0 تعليق

القـائمـة الــرئـيسية

استراحة الموقع



Powered by: mktba 4.7
جميع الحقوق محفوظة لـموقع العلوم الاسلامية ولجميع المسلمين