بسم الله الرحمن الرحيم
محاضرة: مقوّمات الأخوة الإسلامية، ومفسداتها
مقدمة: حول فضائل الأخوّة.
لا شك أن موضوع الأخوة الإسلامية موضوع من الأهميّة بمكان، كيف لا وقد جعلها الإسلام أعظم من أخوة الدم والنسب والقرابة، لذلك كان من أوائل المشاريع التي قام النبي r بتطبيقها بعد الهجرة مباشرة أن آخى بين المهاجرين والأنصار، ومما يدلّ على ذلك أيضا الآيات والأحاديث التي تحثّ على ذلك، قال الله تعالى:" إنّما المؤمنون إخوة " [الحجرات : 10]، وقد بيّن النّبي r الحال التي يجب أن يكون عليها المسلمون كما في حديث النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r:" مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى" رواه مسلم.
وعَنْ أَبِي مُوسَى الأشعري t عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ:" إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ" متفق عليه.
ولذلك نجد الله تعالى يذكرنا بهذه الأخوة الإسلاميّة عند حلول أسباب الفرقة، وعند حلول ما يعكّر صفوَها.
فعندما دبّ الخلاف بين الأوس والخزرج مرّة ثانية، قال تعالى مذكرا الصحابة بهذا الأمر المهم :"وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ " [آل عمران : 103].
وعند حلول التناحر والتقاتل بين طوائف المسلمين، يذكرنا الله بذلك أيضا فيقول الله تعالى:" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ " [الحجرات : 10].
وكذا في حالة القتل، حيث جعل وليّ المقتول أخا للقاتل فقال الله تعالى:" فمن عُفي له من أخيه شيء فاتّباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان" [البقرة : 178].
لهذا كلّه كانت فضائل هذه الأخوة كثيرة نذكر منها ما يلي:
محبة الله سبحانه وتعالى لمن اتّصف بها:
وعن معاذ بن جبل أنّ رَسُولَ اللَّهِ r قال: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:" وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ " رواه مالك وأحمد وهو صحيح.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t عَنْ النَّبِيِّ r:" أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ، قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لَا، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ " رواه مسلم.
استظلال من اتّصف بها تحت ظل العرش يوم القيامة:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ الْإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ " متفق عليه.
غبطة الأنبياء والشهداء للمتّصفين بها:
عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ r:" إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لَأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ، قَالَ هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلَا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ:" أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ " رواه أبوداودوغيره وهو صحيح.
انتفاعهم بهذه الأخوة يوم لا ينفع مال ولا بنون:
قال تعالى:" الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ "[الزخرف : 67]، فكلُّ خُلّة وصُحبة تصبح يوم القيامة عداوة وفرقة إلاّ أخوّة الإيمان.
إذا علمنا هذه الفضائل العظيمة، فالسؤال الطروح، ما هي الأعمال التي تؤدي إلى تحقيقها؟ أو بصيغة أخرى ما هي مقوّمات هذه الأخوّة الإسلامية؟
والجواب في هذا المحور.
المحور الأول: مقومات الأخوة.
وتتمثّل هذه المقوّمات في حقوق الأخوة الإسلامية العامة والخاصة وغيرها، والتي تُبقي على الأخوّة شامخة، لا تزعزعها رياح الفرقة ولا تهدمها معاولها، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ:" حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ، قِيلَ مَا هُنَّ يَا رَسُولَ؟ اللَّهِ قَالَ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ" رواه مسلم.
وعَنْ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ t قَالَ:" أَمَرَنَا النَّبِيُّ r بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ فَذَكَرَ: عِيَادَةَ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعَ الْجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتَ الْعَاطِسِ، وَرَدَّ السَّلَامِ، وَنَصْرَ الْمَظْلُومِ، وَإِجَابَةَ الدَّاعِي، وَإِبْرَارَ الْمُقْسِمِ" متفق عليه.
1- إفشاء السلام:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r:" وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ " رواه مسلم.
وتعتبر المصافحة من تمام التحية:
عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r:" مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا " رواه أبو داود والترمذي وهو صحيح، وقد صحّ موقوفا عن البراء بن عازب قال:" من تمام التحية أن تصافح أخاك " رواه البخاري في الأدب المفرد.
وإنّ من أشراط الساعة أن يصبح السلام بالمعرفة:
فعن عَبْدِ اللَّهِ بَن مسعود t أنّ النَّبِيِّ r قال:" إنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ تَسْلِيمَ الْخَاصَّةِ" رواه أحمد، وعنه مرفوعا: " إنّ من أشراط الساعة أن يمر الرجل بالمسجد لا يصلي فيه، وأن لا يسلم إلا على من يعرفه " رواه الطبراني وغيره.
2- طلاقة الوجه والبشاشة:
عَنْ أَبِي ذَرٍّ t قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ r:" لَا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ" رواه مسلم.
وعَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r:" تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ " رواه الترمذي.
3- إجابة الدّعوة:
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ:" لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ " رواه البخاري، فجمع النبي r في إجابة الدعوة بين الثمين والحقير حتى لا يستنكف المسلم عن إجابة دعوة الفقراء، وحتّى لا يفرّق في ذلك بين الفقراء والأغنياء.
ولا تنس في هذا المقام الدّعاء لمن دعاك كما ثبت ذلك عن النبي r فتقول:" اللهم أطعم من أطعمني واسق من سقاني "، أو تقول:" اللهم اغفر لهم وارحمهم وبارك لهم فيما رزقتهم" ، أو تقول:" أفطرَ عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلّت عليكم الملائكة ".
ولا تنس الدعاء لأخيك في ظهر الغيب فإنه يؤلّف بين القلوب ويقرب بينها من حيث لا تشعر بل إنّه يعدّ مقوما آخر من هذه المقومات.
ونلفت هنا الانتباه إلى أنّه لابدّ من عدم التفريق بين الفقراء وغيرهم في الدعوة إلى ولائم الأعراس كما يفعله بعض النّاس، وهذا قد نهى عنه r كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:" شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ، وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " متفق عليه.
4- النصيحة:
عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ " رواه مسلم
وعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:" بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ " متفق عليه
ومن تمام النصيحة أن تكون في السر لأنها أدعى للقبول، لما فيها من البعد عن التشهير والفضيحة، قال الشافعي رحمه الله تعالى:
تعمّدني بنصحك في انفرادي وجنّبني النّصيحة في الجماعـة
فإنّ النّصح بين النّاس نـــوع من التّوبيخ لا أرضى استماعه
وإن خالفتني وعصيت قولـي فلا تجزع إذا لم تعط طاعــــة
5- تشميت العاطس:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t عَنْ النَّبِيِّ r قال:" إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الشَّيْطَانِ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ فَإِذَا قَالَ: هَا ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ" رواه البخاري وغيره.
6- عيادة المريض:
عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ r عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r قَالَ:" مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا خُرْفَةُ الْجَنَّةِ قَالَ جَنَاهَا " رواه مسلم.
وعن عَلِيّ t قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ:" مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ " رواه الترمذي وهو صحيح.
ولا بدّ أن يراعي المسلم في ذلك آداب الزيارة من دعاء للمريض كما كان يفعل النبي r ، وكذا الوقت المناسب للزيارة وغيرها من الآداب.
7- اتباع الجنائز:
فكم من جنازة ألفت بين القلوب بسبب حضورها، وكم من جنازة كانت سببا في الجفاء والفرقة بسبب التخلف عنها، فليحذر المسلم أن يتبع الجنائز لغرض من أغراض الدنيا، كالجاه أو السلطان أو المال، بل يجب عليه أن لا يفرق بين جنائز المسلمين، وأن يشهدها متى استطاع إلى ذلك سبيلا، فإن فاتك شهود الجنازة فلا يفوتك تعزية ومواساة أهل الميت، كما في حديث أُسَامَةَ t قَالَ:" كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ r إِذْ جَاءَهُ رَسُولُ إِحْدَى بَنَاتِهِ وَعِنْدَهُ سَعْدٌ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَمُعَاذٌ أَنَّ ابْنَهَا يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا: لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلِلَّهِ مَا أَعْطَى كُلٌّ بِأَجَلٍ فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ " متفق عليه.
8- َنَصْرُ الْمَظْلُومِ:
عَنْ أَنَسٍ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r:" انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنْ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ" رواه البخاري.
9- إبرار المقسم:
قوله ( بإبرار المقسم ) أي من حلف على فعل فينبغي أن يجعله بارا مهما أمكن ولا يجعله حانثا بأن يأتي بالمحلوف عليه، تعظيما لاسم الله، ومراعاة لشؤون الأخوّة.
10- التهنئة في المناسبات والأعياد:
ولا شك أنّ هذا مما يدخل السرور عليه،كالتهنئة في الزواج :فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t :" أَنَّ النَّبِيَّ r كَانَ إِذَا رَفَّأَ الْإِنْسَانَ إِذَا تَزَوَّجَ قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ وَبَارَكَ عَلَيْكَ وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ " رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، والتهنئة بالعيد: فقد كان السلف يهنئ بعضهم بعضا فيقولون:تقبل الله منا ومنكم، والتهنئة إذا ولد له مولود: فتقول: بارك الله لك في الموهوب لك، وشكرت الواهب، وبلغ أشدّه، ورزقت برّه. وغيرها ...
11- الهدية:
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ r :" تَهَادَوْا تَحَابُّوا " حديث حسن رواه البخاري في الأدب المفرد
وعنه t عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ:" يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ " متفق عليه.
وعنه t أن النبي r قال: " لَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ " رواه البخاري.
12- إخباره بمحبّته:
عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ t عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ:" إِذَا أَحَبَّ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَلْيُخْبِرْهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ " رواه الترمذي وأحمد.
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ t :" أَنَّ رَجُلًا كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ r فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ هَذَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ r: أَعْلَمْتَهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أََعْلِمْهُ قَالَ: فَلَحِقَهُ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ فَقَالَ: أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ " رواه أبو داود.
13-التنفيس عن المكروب والتيسير على المعسر:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ:" مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ فِي الدُّنْيَا يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ فِي الدُّنْيَا سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ " رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.
14- ستر العيوب:
كما في الحديث السابق:" وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ فِي الدُّنْيَا سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ " رواه أصحاب السنن إلا النسائي.
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ t عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ:" مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَشَفَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ كَشَفَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ بِهَا فِي بَيْتِهِ " رواه ابن ماجه.
15- كتمان الأسرار:
فقد كان السلف يعوّدون أبناءهم كتمان السرّ منذ الصغر، فعَنْ أَنَسٍ t قَالَ:" أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ r وَأَنَا أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، قَالَ: فَسَلَّمَ عَلَيْنَا فَبَعَثَنِي إِلَى حَاجَةٍ فَأَبْطَأْتُ عَلَى أُمِّي، فَلَمَّا جِئْتُ قَالَتْ: مَا حَبَسَكَ، قُلْتُ: بَعَثَنِي رَسُولُ r لِحَاجَةٍ، قَالَتْ: مَا حَاجَتُهُ؟ قُلْتُ: إِنَّهَا سِرٌّ، قَالَتْ: لَا تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللَّهِ r أَحَدًا، قَالَ: أَنَسٌ وَاللَّهِ لَوْ حَدَّثْتُ بِهِ أَحَدًا لَحَدَّثْتُكَ يَا ثَابِتُ " رواه مسلم.
قيل لأعرابيّ: ما بلغ من حفظك للسّرّ؟، قال أفرّقه تحت شغاف قلبي ثمّ أجمعه، وأنساه كأني لم أسمعه.
فإذا كنت في مجلس واستؤمنت على سرّ فحافظ عليه، وتذكر حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِr:" الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ، إِلَّا ثَلَاثَةَ مَجَالِسَ: مَجْلِسٌ يُسْفَكُ فِيهِ دَمٌ حَرَامٌ، وَمَجْلِسٌ يُسْتَحَلُّ فِيهِ فَرْجٌ حَرَامٌ، وَمَجْلِسٌ يُسْتَحَلُّ فِيهِ مَالٌ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ " رواه أحمد وأبو داود.
وهنا لابدّ من التنبيه على الزوجة حتّى تكتم أسرار زوجها، ولا تبوح بها ولو إلى أهلها، لآنّ النساء في هذا المجال لا يشقّ لهنّ غبار كما لا يخفى، ومن طريف ما يحكى أنّ رجلا قال لزوجته: سوف أقول لك سرا، فأجبته تفضّل فإنّك ستجد –إن شاء الله- صدري بئرا لسرّك، فقال لها أعلم أنّ صدرك بئر لسرّي، ولكن أعلم أيضا أنّ لسانك دلوُه.
فحذار عباد الله أن تكونوا مثل هذه المرأة، وعليكم أن تجعلوا صدوركم مقابر للأسرار لا آبارا لها، قيل لبعض الأدباء: كيف حفظك للسرّ؟ قال: أنا قبره.
16- الإيثار في غير القربات:
قال تعالى:" وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " [الحشر : 9] .
وهناك قصص في الإيثار يضيق بنا المقام لو ذكرناها ولنقتصر على نموذج منها وهو سبب نزول هذه الآية الكريمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ:" جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنِّي مَجْهُودٌ فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ فَقَالَتْ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ فَقَالَ مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ قَالَتْ لَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي قَالَ فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَطْفِئْ السِّرَاجَ وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ حَتَّى تُطْفِئِيهِ قَالَ فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ قَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ " متفق عليه وهذا لفظ مسلم.
فالإيثار يكون في الأمور الدنيويّة ولا يكون في العبادات والقربات، أما في أيامنا هذه فقد انعكست الأمور، فقد يؤثرك المسلم في الصف الأول على نفسه، لكن في أمور الدنيا لا يكاد يسمع بمثل هذا الأمر، بل تجده بعكس ذلك يتّصف بالأثرة أي ما يسمّيه الناس أنانية.
17- الإصلاح بين المسلمين:
قال تعالى :" وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات :9- 10]
بل قد أجاز النبي الكذب من أجل الإصلاح، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ رضي الله عنها عَنْ النَّبِيِّ r أَنَّهُ قَالَ:" لَيْسَ الْكَاذِبُ بِأَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ فِي إِصْلَاحِ مَا بَيْنَ النَّاسِ " رواه أحمد.
18- المحافظة على صلاة الجماعة:
فهي من الأسباب التي تؤدي إلى التعارف بين المسلمين والتكتّل والتكافل فيما بينهم، وقد ذهب المحققون من العلماء إلى وجوبها على الرجال دون النساء، كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ:" وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ " متفق عليه.
ولا يفوتنا أن نشير إلى مسألة مهمّة في هذا المقام، وهي من المسائل التي تجمع بين القلوب وتقوي الوشائج التي بينها، أعني تسوية الصفوف فعن النُّعْمَان بْن بَشِيرٍ t قال:" أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ r عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ:" أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ ثَلَاثًا وَاللَّهِ لَتُقِيمُنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ" قَالَ فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَلْزَقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَرُكْبَتَهُ بِرُكْبَةِ صَاحِبِهِ وَكَعْبَهُ بِكَعْبِهِ " رواه أبو داود وغيره، فعُلم أنّ الاتفاق في الظاهر يورّث الاتفاق في الباطن والعكس.
19- صلة الرحم:
عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ " رواه مسلم.
وبعد هذا أقول:إنّه لا يمكن أن يتأتّى لأحد التحلّي بمثل هذه الخصال وبالتالي تذوّق روح الأخوّة في الله تعالى حتّى يتعلّم ما ذكرناه، ثمّ يعمل به فالعلم قبل القول والعمل، كما أن هناك الكثير من الخصال الذميمة التي تقوّض أركان هذه الأخوّة، وتهدم صرحها، فعلى المسلم أن يتعلّمها ثمّ يجتنبها، من باب قول القائل: عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه ومن لا يعرف الشر من الخير يقع فيه، وهذا هو موضوع المحور الثاني من هذه الندوة.
المحور الثاني: مفسدات الأخوة (أسباب الفرقة وفساد ذات البين).
لقد حذّر الإسلام من الفرقة وحذّر من فساد ذات البين قال تعالى:" وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ " [آل عمران : 103]، وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r :" أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ قَالُوا بَلَى قَالَ: صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ " رواه الترمذي، ومن هذه الأمور التي تؤدي إلى تقويض أركان الأخوة في الله وهدم بنيانها نذكر ما يلي:
1- الغيبة والبهتان:
قال تعالى:" وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ [الحجرات : 12]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ:" أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ قِيلَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ قَالَ إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ " رواه مسلم.
وهنا نحذر من اغتياب العلماء والدّعاة إلى الله فإن الأمر أشدّ تحريما ولذا قال العلماء:" لحوم العلماء مسمومة "
قال الذهبي رحمه الله تعالى:" ولو أنّ كلّما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفورا له قمنا عليه، وبدّعناه وهجرناه، لما سلم معنا لا ابن نصر ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة " (السير: 14/40).
2-النميمة ( وهي نقل الكلام من قوم إلى آخرين على جهة الإفساد بينهم):
عن حُذَيْفَة t قال سَمِعْتُ النَّبِيَّ r يَقُولُ:" لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ " متفق عليه، والقتات النّمام، كما في رواية لمسلم، وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ t قَالَ:" مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ثُمَّ قَالَ بَلَى كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ وَكَانَ الْآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسْرَةً فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا قَالَ لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ تَيْبَسَا أَوْ إِلَى أَنْ يَيْبَسَا " متفق عليه.
ويدخل في ذلك ما يفعله بعض من يظن نفسه من طلبة العلم، من نقله للأخبار بين الدّعاة والعلماء ليوقع بينهم، نعوذ بالله من الخذلان.
3- التحاسد والتباغض والحقد:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ:" إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا " متفق عليه، ويدل لذلك أيضا قصة ابني آدم وكيف أنّ أحدهما قتل أخاه بسبب الحقد والحسد.
4- التجسس وتتبع العورات:
كما في قوله تعالى:" ولا تجسّسوا " [الحجرات : 12].
وكما في الحديث السابق، بل وهناك أخطر من هذا الحديث فاسمع عبد الله وإيّاك ثمّ إيّاك، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ t قَالَ:" نَادَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَسْمَعَ الْعَوَاتِقَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَةَ أَخِيهِ يَتَّبِعْ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ فِي بَيْتِهِ " رواه أحمد وغيره.
5- التعيير والتنابز بالألقاب:
قال تعالى:"وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " [الحجرات : 11]، وجاء في الحديث السابق عند الترمذي من رواية ابْنِ عُمَرَ t قَالَ:" صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ " وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا إِلَى الْبَيْتِ أَوْ إِلَى الْكَعْبَةِ فَقَالَ: مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ وَالْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنْكِ .
6- السخرية من الآخرين والاستهزاء بهم:
قال الله تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ..." [الحجرات : 11].
7- سوء الظنّ:
قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ "[الحجرات : 12].
عن أبي هُرَيْرَةَ t عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ:" إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا إِخْوَانًا وَلَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ " رواه البخاري.
فالتمس لأخيك ألف عذر فإن أعياك ذلك فقل: لعلّ لأخي عذرا لا أعلمه.
8- الخيانة:
قال تعالى:" إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً [النساء : 58]، وقال أيضا:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ " [الأنفال : 27]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ r :" أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ " رواه أبو داود والترمذي، وخيانة الأمانات من صفات المنافقين، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ:" آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ " متفق عليه.
والخيانة هنا عامة في كل الأمور كخيانة الدين، والمواثيق والعهود، وخيانة الأصحاب والأصدقاء، وخيانة الزوج أو الزوجة ...
8- إفشاء الأسرار:
وإفشاء السرّ محرّم لأنّه خيانة للأمانة، فإذا استكتمك أحد حديثا فإنّه لا يحلّ لك أن تفشيه لأيّ أحد كان، قال جابر بن عبد الله t : إذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة.
ومن أعظمها شرا ما أخبر به النبي r حين قال:" إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا " رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري.
10- الهجر:
عَنْ أَبِي أَيُّوبَ t عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ:" لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ يَلْتَقِيَانِ فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ " متفق عليه.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r :" لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ " رواه أبو داود، وعَنْ أَبِي خِرَاشٍ السُّلَمِيِّ t أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ:" مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ " رواه أبو داود.
11- العصبيات والقوميّات والحزبيات:
فإثارة القوميات والعصبيات كالتفاخر باللغة أو القبيلة، أوغيرها كالتفاخر بالأحساب والأنساب والأحزاب مما يولّد البغضاء بين المسلمين ويزيل روابط الأخوة فيما بينهم، قال رَسُولَ اللَّهِ r :" مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ وَلَا تَكْنُوا " رواه أحمد، وقال تعالى:" مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ " [الروم : 31-32].
12- الجدال والمراء:
عَنْ أَبِي أُمَامَة t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r :" أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ " رواه أبو داود.
13- الخطبة على خطبة الأخ والبيع على بيعه:
عن ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال:" نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيعَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَلَا يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطِبُ " متفق عليه.
14- كثرة المزاح:
فالمزاح في الكلام كالملح في الطّعام إن أكثرت منه فسد الطّعام، فكثرة المزاح خاصة إذا كان مقرونا بما هو كذب يفضي إلى سوء الظنّ وبالتّالي التفرق والتباغض، أمّا المزاح القليل غير المقرون بالكذب فهذا قد كان من صفاته صلّى الله عليه وسلّم، فقد كان يمزح ولا يقول إلإّ حقّا.
15- الدخول في الحديث بين اثنين دون إذن:
فالداخل بين اثنين في حديثهما كالمتسلّق للجدار، حيث إنّه لم يأت البيوت من أبوابها، ولهذا كان من آداب حاضر الجمعة أن لا يفرّق بين اثنين كما جاء به السنّة، ويعدّ هذا الأمر من خوارم المروءة، فإذا رأيت اثنين يتحدّثان فابتعد عنهما، فإن كان ولابدّ فاستأذن عليهما فإن أذنا لك وإلاّ فارجع.
16- التناجي بين اثين دون الثالث:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ " رواه الترمذي وغيره.
خاتمة: حول ثمرات الأخوّة في الله.
- تحقيق الوحدة الإسلامية المنشودة والتي مبناها على العقيدة في الله تعالى.
- انبثاق حضارة الإسلام وبالتالي قيادة العالم كما كان أسلافنا.
- التكافل والتعاون فيما بين المسلمين، فيصبحوا كما أخبر عنهم نبيّهم صلى الله عليه وسلّم كالبنيات المرصوص، وكالجسد الواحد، ويدا على من سواهم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله.
وكتبه: أبو أيوب زهير ساجي